الاسْتِمَاعُ.. ذَكَاء

0 461

تجارب الآخرين دروس حياتية مجانية؛ لذا عليك أن تُرهِفَ السمعَ وتُحْسِنَ الإصغاء لتستفيد منها. إذا كانت هناك نصيحة ذهبية لخلق فرص جديدة واستثمارها للنجاح؛ فإن هذه النصيحة هي الإصغاء الجيد. ومع أن القراءة تفتح لك مجالات لا حصر لها من الفرص، إلا أننا نقضي وقتًا طويلاً وبشكلٍ يومي في التواصل مع الآخرين مما يجعل تفعيل الاستماع الجيد فرصة لا مثيل لها في خلق فرص حقيقية للنجاح. وأنت تذكر يا صديقي أن محمد بن إسماعيل البخاري حين استمع وبذكاء لِما قاله أستاذه إسحاق بن راهويه فيما يتعلق بجمع كتاب فيما صح عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فإذا بالبخاري يُخرِجُ للدنيا صحيحه الذي ملأ الآفاق نورًا وحكمةً وبصيرة.

تعال معي لنرى كيف للاستماع الذكي أن يصنع فرصًا جمة، ولعلك ترى الكثير من الشباب يحاول أن يبدأ حياته بمشروعٍ صغير ثم يتوسع في مشروعه رويدًا رويدا؛ ليصبح عملاً مؤثرًا ومُلهِّمًا لغيره من الشباب. انظر مثلا إلى هذا الشاب الذي اختار أن يبدأ بمشروعٍ غاية في البساطة؛ وهو بيع عصير الليمون الطازج اللذيذ. بالفعل مشروع بيع عصير الليمون الطازج اللذيذ.. هذا هو المشروع الذي بدأ به، وأطلب منك أن تؤجل حُكمك على هذا الشاب قليلاً، مع علمي أن البعض سيقول: ما هذا السُخف؟ عصير ليمون؟! هذا مشروع؟!! ولكن أرجوك تريث قليلاً وسترى ما تقر به عينك. كان جون ويلارد (1900 – 1985) يبيع عصير الليمون في حي كابيتول هيل بالعاصمة الأمريكية واشنطن، ويتجاذب مع العملاء أطراف الحديث مما ساعده على امتلاك مجموعة من الأفكار التي يمكن ترجمتها لأعمال تجارية قيمة.



كان أغلب عملاء جون ويلارد يحدثونه خلال تناولهم لعصير الليمون عن روعة عصير الليمون الذي يقدمه لهم، بالإضافة إلى تذمُّرهم الشديد واستيائهم من الفنادق الموجودة في الحي؛ فأغلب هؤلاء العملاء يترددون على كابيتول هيل لتخليص معاملات تتطلب متابعتها لفترة تستوجب استئجار غرفة ليومين أو أكثر. كانت شكوى العملاء الرئيسة من إهمال الفنادق للنظافة وانبعاث روائح غير مرغوبة وخدمات متردية فضلاً عن تقديم أطعمة غير طازجة. ربما كان البائع يستمع إلى مثل هذه الشكاوى وهو يتمتم في نفسه: وما دخلي بمثل تلك الترهات؟ وكيف لي أن أساعد هذا العميل الثرثار؟ ولكن ليس جون ويلارد الذي فعل ذلك، بل على العكس كان يساعد العملاء على الاستفاضة في الحديث.




كوّن جون ويلارد حصيلة كبيرة مما يحتاجه العملاء ولا زال يبيع عصير الليمون الطازج اللذيذ. وحين توفر لجون ويلارد مبلغًا مناسبًا من المال خصص نسبة كبيرة منه لافتتاح مطعم يليق بالعملاء. لعلك تذكر أنه قد حصل على معلومات كثيرة بشأن الطعام الغير طازج؛ فأراد أن يجتذب العملاء من خلال تقديم ما يطلبونه هم وهذا هو التسويق. بذلك جمع جون ويلارد بين البيع والتسويق؛ بيع عصير الليمون الطازج اللذيذ وتسويق خدمة يتحرق العملاء بحثًا عنها وهي الطعام الطازج. ولتقديم خدمة متميزة لعملاء المطعم؛ استقطب جون ويلارد عددًا من الطهاة المحترفين على أن يقتسم معهم أرباح المطعم. ظن البعض أن جون ويلارد لا يزيد عن حمارٍ يدور في الرحى، فما يجنيه من أرباح يقتسمها مع الطهاة وعمال المطعم؛ إلا أنَّ جون ويلارد قد اكتسب خبرةً كبيرة من العملاء الذين يترددون عليه لتناول عصير الليمون، واستخلص من تجاربهم في الحياة أنَّ المكسب المادي لابد أن يدعمه مكسب معنوي يتمثل في بناء فريق عمل ناجح، وأن فريق العمل الناجح سيدفع بنسب الأرباح المادية أضعاف ما يمكن لفرد واحد أن يكتسبه.

مقالات مرتبطة

لقد كانت دروس الشارع التي لا تنتهي تعادل عددًا من الشهادات الجامعية، ولولا مهارة الاستماع التي تمتع بها جون ويلارد ما كان له أن يتعامل بهذه الحنكة، ولاحتاج إجراء دراسة جدوى مكلفة ليتعرف على متطلبات السوق وأفضل السبل التي يمكن تقديم خدمة يفتش العملاء عنها طول الوقت. الاستماع الجيد طوق نجاة للكثيرين وكنز معلومات لمن يرغب ودليل إرشادي لمن يريد. أصبح مطعم جون ويلارد قِبلة لرواد كابيتول هيل مما ضاعف من الأرباح وأسهم في الخطوة التالية. تمثلت الخطوة التالية في افتتاح جون ويلارد لفندق متوسط الحجم في كابيتول هيل وذلك عام 1957 وقد استفاد مرة أخرى من ملاحظات العملاء، فاستبعد كل ما من شأنه أن يُنغِّص على العملاء أو يكدِّر صفو إقامتهم بالفندق، وإمعانًا في تحقيق ذلك فقد افتتح الفندق لثلاثة أشهر تجريبية ودعا إليه الأصدقاء والأقارب بأسعار رمزية على أن يقدموا له ملاحظاتهم بكل صراحة.

تعامل جون ويلارد مع الملاحظات التي خطها أصدقاؤه وأقاربه بكل حزم، ثم بدأت العملاء تتوافد على فندق جون ويلارد. كان اسم الفندق Twin Bridges Motor Hotel وفي عام 1967 أراد جون ويلارد تسمية الفندق اسمًا أكثرَ مناسبةً فلم يجد أفضل من اسم عائلته؛ فأطلق على الفندق اسم (فندق ماريوت Marriott Hotel)، نعم يا صديقي إنه جون ويلارد ماريوت صاحب سلسلة فنادق ماريوت العالمية. في نفس العام أنشأ مطاعم بيج بوي Big Boy العائلية، وفي العام التالي افتتح المطاعم العائلية روي روجرز Roy Rogers ليصبح جون ويلارد ماريوت من أكبر رواد الأعمال في العالم. افتُتِحَت شركة ماريوت الدولية بعد ثماني سنوات من وفاة جون ويلارد ماريوت من عربة ليمون يجرها بيديه إلى صاحب سلسلة فنادق ماريوت العالمية ومطاعم روي روجرز العائلية وغيرها من الأعمال التجارية الناجحة.




إن استثمارك لفكرة ما يأتي نتيجة لخبرة شخصية في هذا مجال الفكرة، أو كنتيجة لقراءتك عنها وشغفِكَ بها، أو كنتيجة لاستماعك الجيد وإصغائِك بذكاء لكل ما يرد حول هذه الفكرة. يتبع ذلك التنفيذ المُحْكَم للفكرة وبنفس الشغف الذي استقبلت به الفكرة. قد يختصر عليك الاستماع الجيد الكثير من الوقت ويلخص لك الكثير من الأمور، فإذا كنا بطبيعة الحال نتواصل مع الآخرين بالتحدث إليهم والاستماع؛ فإنه يجدر بنا تنمية ملكة الاستماع الجيد للآخرين لنضع أنفسنا على طريق العظماء. هناك صفة مشتركة بين العظماء والقادة تتلخص في الاستماع الجيد لما يبدر ممن يتحدث إليهم سواء أكان ذلك من الكلمات الملفوظة أو تعبيرات الأيدي ولغة الجسد. ويمكنك استخلاص فكرة غاية في الأهمية من سيرة جون ويلارد ماريوت وهي أن تبدأ للآن ومن مكانك الذي أنت فيه، واستثمر الإمكانيات المتاحة مهما كانت زهيدة، وابذل قصارى جهدك؛ عندها ستحقق مجدك الشخصي.

الاستماع الجيد ليس بالأمر الهين ولذلك فإن المتحدث الجيد هو بالأساس مستمع جيد؛ لعلك أدركت الآن سبب ندرة المتحدثين الجيدين في هذه الفترة. إننا نمتلك لسانًا واحدًا وأذنين ليكون استماعنا ضعف حديثنا، وإذا كان ذلك كذلك وما دمنا سنستمع للآخرين بأي حال؛ فإن الاستماع الجيد هو السبيل الأمثل لكسب قلوبهم وفهم ما يدور في عقولهم واستثمار الفرص السانحة التي تخرج من أفواههم. ليس الأمر قاصرًا على جون ويلارد ماريوت، وإنما الكثير من قصص النجاح كان مبعثها الاستماع الجيد واغتنام الفرصة. الاستماع الجيد علامةٌ فارقة بين رواد الأعمال والقادة والعظماء وبين غيرهم ممن يضيعون فرصًا لا تعوَّض؛ مما يجعل الاستماع ذكاءٌ لا يمارسه إلا من تدرب عليه طويلاً. استمع جيدًا لتصبح حياتُكَ أفضل وفرصُ نجاحِك أكثر.