رجل بلا ظل

0 708

في هاته الحياة هناك عبر نستخلصها عن مراكمة سنين من التجارب، و هناك عبر أخرى قد تكون أكثر أهمية و أكثر عمقا على نفوسنا، يمكن أن نستخلصها في فترة وجيزة.. و ربما في لحظة. استخلاص العبر من أهم الأمور التي قد تدفع المرء نحو الأمام.. نحو القمة، و لكن عدم استخلاصها في نفس الوقت قد يعصف بالمرء نحو القاع أين سيتخبط في غياهب الحياة التي لن تكون رحيمة عليه كرحمة الأم على فلذة كبدها. في شوارع المدينة حيث تحلق الملائكة و الشياطين، في أزقة الدار البيضاء يجول “واحد من الشعب”، إنه “سعيد” ذو الخمسين عاما بلباسه البسيط مرتديا إياه فوق جسمه النحيل، يصول ويجول كل يوم غاية في إنعاش حياته. سعيد ليس إسما على مسمى، فتحت إحدى قناطر العاصمة الاقتصادية للملكة يقوم “سعيد” بتوظيب مكان نومه كل ليلة بعد أن يمر يومه في التجوال باحثا عن لقمة عيشه من أمور بسيطة كجمع “لافيراي” و بيعه.. مقابل مبلغ بسيط يخوله كسب قوت يومه و تلبية الحاجيات الضرورية لأي مخلوق حي يعيش فوق هذه الرقعة بنصف حقوقه.





بعد أن كان سعيد شخصا يعمل بإحدى الشركات، اتهم باطلا بتزوير بعض الوثائق، كانت لعبة مدروسة من طرف مدير الشركة الذي أصبحت نظرته لسعيد بمثابة عرقول في طريقه يهدد مشاريعه الخارجة عن القانون، قضى سنتين سجنا نافذا مع الحجز على بيته، و عندما عاد لمعانقة الحرية لم تكتمل فرحته بعد علمه أن زوجته قد رفعت دعوى طلاق ضده و أن مراحل الدعوة وصلت شوطها الأخير. تعرض سعيد لهاته الحادثة لأنه لم يسبق و أن استخلص عبرة “الكثرة تهزم الشجاعة” من تجاربه الحياتية، حاول بشجاعته الوقوف ضد الفساد و لكن الفساد كان أقوى.

مقالات مرتبطة

لقد كان يحلم هو كذلك يوما ما في أن يعيش آخر سنين حياته مع أسرته، لكن الرياح جرت بما لا يشتهيه خاطره فانعكست ضده، لترمي به في عوالم التشرد و الضياع في وطن لا يعترف إلا بأحلام أبناء البهوات و أصحاب الجاه و الغنى السلطوي و المادي. و في ليلة الثامن من يناير كان يسير “سعيد” وهو يفكر في ما يمكنه أن يأكله على وجبة العشاء، لأن هذا الأمر هو أقصى ما كان يفكر به في تلك اللحظة، و بعرض انغماسه في التفكير تفاجأ بصوت منبه سيارة كادت أن تصدمه من الخلف، في الحقيقة كان الخطأ من طرف سعيد أكثر منه على سائق السيارة لأنه لم ينتبه للطريق خلال سيره و لكن الحق سرعان ما انعكس عندما نزل السائق من سيارته و حاول أن يهاجم “سعيد”، لقد كان يشتمه و ينعته بأسفه النعوت لكن سعيد في الجهة المقابلة لم يكن يحرك ساكنا.. لأنه تعود على مثل هذه الأمور في مجتمع يتجبر فيه القوي على الضعيف و الغني على الفقير، لقد تعرض لمثل هذه المواقف مرارا و تكرارا و لكنه كان يدرك مرة بعد أخرى أنه لا جدوى في الدخول في مثل هذه المناوشات التي لا يجني المرء وراءها سوى المصائب، بل و وضع قطيعة مع حشر أنفه في المشاكل منذ حادثة الشركة.




إن نصف قساوة الحياة مصدرها المجتمع الذي لا يرحم وضعية الفرد، يلخصون كيان الفرد في بذلته التي يرتديها و يلخصون الفتاة في غشاء بكارتها و ينكرون الجميل بمجرد أن يخطئ المرء لمرة و في حال قرر أحدهم السباحة عكس التيار سيعمل جاهدا تيار المجتمع على إجهاده و إجهاض طموحاته، أتذكر أنه هناك مثل شعبي مغربي يقول “غير كاطيح البقرة كيكثروا الجناوة ” ما يعني أنه بمجرد أن يسقط المرء تظهر الذئاب البشرية التي تتعطش للاستقواء على حساب ضعف غيرها، و هذا إن دل على شيء فهو يدل على ضرورة بقاء الفرد منا صامدا متراصا في وقفته قدر المستطاع.

تمر الأيام و يجاريها صديقنا بنفس النسق، لكنه بين الفينة و الأخرى يكون شاهدا على مواقف صادمة، حالات سرقة و حالات عنف، حالات ضياع و حالات حب، يتعرض لحالات مضايقة ولو بنظرة من أحدهم، يشهد على حركة الناس ذهابا و إيابا، يرى طيات وجوه الناس و يتأملها، منهم العبوس و منهم البشوش و منهم أيضا متقلب المزاج، يرى الشارع بنظرته الخاصة المتفردة عن باقي عموم الناس و يقوم بمزجها في مخيلته و ينغمس في هذا العالم رافعا شعاره الأخير “لم يبقى لي حلم بهذا الوطن سوى أن أعيش نصف حياة”.

لتعيش يجب أن تكون قويا، و لتكون قويا عليك أن تستخلص المعاني و العبر، و لتستخلص المعاني و العبر لابد لك من أن تخوض تجارب و تواجه مواقف صعبة التي حتى و إن أسقطتك لا تيأس، فالضربة التي لا تقتلك ستقويك لا محال، هكذا أيضا ستستطيع أن ترتشف من الحياة حلاوتها و مرارتها، ستعلم الحق عندما ترى الباطل و ستعرف السعادة بعد أن تعرف الحزن، هي مقادير الحياة هكذا، لن تعرف الله إن لم تعرف الشيطان، و لن تستشعر نعمة الاستقرار إذا لم تحس بـ “سعيد”.