عمال النظافة

0 4٬705

هؤلاء الجنود الذين إن غابوا ليومين متتاليين عن حيينا صار الحي مكانا لا يطاق، وانبعثت روائح قذرة أحالت حياتنا لجحيم كبير .. يعملون في صمت تام، يرتدون ألبستهم الملونة الدالة عليهم، ومعظمهم يضعون سماعات الهاتف في آذانهم ربما للإستمتاع بموسيقى قد تأخذه لعالم مثالي بينما هو يزيل الأوساخ والقذارة .. مرورهم كل يوم هو مرور خفي له أثر عظيم .. في صمت ينحنون ويقفون ويواجهون شمس الصيف المتقلبة، وبرد الشتاء السام.

 



عمال النظافة رجالا ونساء ربما ساقتهم الظروف القاسية لهذه الوظيفة، لكن الأكيد أنهم يصنعون لنا جميلا خاصا ويخدموننا خدمة لا مثيل لها، يكفي أن تخرج صباحا لتمارس رياضتك أو تذهب لعملك لتجد الشارع هادئا نظيفا .. فتمر بسلام وآمان لقضاء مصالحك، ذلك لأن العامل الذي مر من قبلك تكبد عناء إزاحة القذارة من طريقك وسمح لعينيك ببداية يوم جميل وبمنظر نقي .. وعمال النظافة لا نجدهم فقط في الشوارع والأحياء، هناك أيضا عمال نظافة من نوع آخر، عمال نظافة القلوب والأرواح، من يتكبدون عناء إزاحة الجروح والآلام والهموم عن قلوبنا وتنفيس ضيق أرواحنا، من نجدهم ربما في بيوتنا من أهل دار، أو زملاء عمل أو أصدقاء طفولة أو أقارب درجة ثالثة أو رابعة..

مقالات مرتبطة

هناك دائما عامل للنظافة يمر مرورا خفيا ليصنع أثرا عظيما داخلنا، ربما بصدقه أو حلمه أو جمال طبعه وخفة دمه، فيأخذنا أخذا لعالمه الفسيح الخالي من نكد الأيام والخوف من المستقبل، إيجابي في كل كلمة ينطق بها، وله قوة في إيقاظ ضميرك النائم وتحفيز عقلك الخامل وإنعاش روحك المتكاسلة، كل شيء ممكن بالنسبة له .. ولا مجال للهم والغم في قاموسه، عمال النظافة من هذا النوع هو ما نحتاجه في زمن العبث هذا، حيث لم يعد لشيء طعم .. وحيث ثقلت قلوبنا بالتفكير في الماضي والرهبة من القادم، فلا أحد يحفل بحاضره ولا يعير كونه على قيد الحياة الآن معافا في بدنه آمنا في بيته عنده قوت يومه وغذه أية قيمة ..

 



لقد أصبح لا بد من وجود هؤلاء الرائعين المستعدين لجرنا بكلماتهم السهلة العميقة إلى عالم أنظف، لا تلوثه أمراض العصر وكآبة التكنولوجيا وهوس مواقع التواصل. تماما كما نحتاج عمال نظافة لشوارعنا لتنظيفها وتطهيرها، كذلك نحتاج في حياتنا من يبعث فيها الأمل، من يقول كلمة طيبة في وقت مناسب تكون كفيلة بإزاحة الكم المرعب من القذارة الأخلاقية التي نصادفها كل يوم، وكما نحتاج بشكل ملح لمن يتكرم لتنقية مداخل بيوتنا، نحن أيضا في حاجة ملحة لمن يتكرم لمنح قلوبنا قليلا من الإيجابية وتهوية زوايا أرواحنا وتخليصها من بيوت عناكب القلق التي احتلتها في غفلة منا.

ولا تنسى وأنت تمر على عامل نظافة شارعك أن تبتسم في وجهه وتشكره على جميله وتهديه قنينة ماء باردة تروي ضمئه والذي لولاه لكنت تئن تحت وطأة الروائح الكريهة.