ما بين حلمين

0 983

يحلم جل الآباء بأبناء متفوقين دراسيا و مهنيا، تلتمع عيونهم فرحا وهم يزفون نجاح أطفالهم وتزين علامات الفخر وجوههم وهم يقدمون لأصحابهم وعائلاتهم ابنهم المتخرج بامتياز، المهني المحترف والشخص المسؤول.. تدفع هذه الغريزة الفطرية في نفوس الوالدين كلاهما الى بذل الغالي والنفيس من أجل تحقيق الحلم المنشود، وهنا قد لا تقبل عائلة انحدرت من سلالة متتالية من الأطباء أن يتخصص ابنها في الهندسة أو قد ترفض الأسرة أن تتخصص ابنتها في دراسة طويلة المدة خوفا من أن يفوتها قطار الزواج، وبين هذا وذاك يكون هدف الاباء حفظ ماء الوجه وتحقيق المجد العائلي عوض سعادة ابنائهم بما يريدونه وما يفعلونه …يتسم هؤلاء الآباء في هذه المواقف بأنانية وظلم ويستلبون بتصرفاتهم حقوق أبنائهم في عيش حياة يخططون لتفاصيلها وتحقيق أهداف طالما حلموا بها .






تخبرني بسخرية ممتزجة بيأس دفين أنها كانت تعشق الرسم، تثير الألوان عقلها الطفولي وتعتريها الدهشة أمام جمال اللوحات، كانت فتاة متفوقة في دراستها، تذكر أن والدها كان ينتزع منها أوراق الرسم كلما رآها تتمرن عليه، يذكرها بالمذاكرة في كل أوقات فراغها ، حين دخلت مدرسة الهندسة المعمارية أهداها دفتر رسم و لوازم فنية أخبرها وقتئذ أن الرسم ضروري لتصير مهندسة محترفة و تفرض نفسها في الساحة المهنية…هكذا إذن لقد رأى في الرسم فقط ما يخدم مصلحتها في حين أن الموهبة وجدت أساسا لانفتاح الذات والسمو بالإنسان عن رتابة الحياة والملل والفراغ…

مقالات مرتبطة

يريد الوالدان لأبنائهم أن يدرسوا ولاشيء غير ذلك ، لا يهذبون أرواحهم بمواهب جميلة ولا يربون فيهم ملكة الإبداع يريدونهم أن يكونوا نسخة مطابقة عنهم ، يربونهم على الخوف من المستقبل وأن هذا الأخير يقتصر على جمع المال و تكوين أسرة من أجل العيش بكرامة إنهم باختصار ينجبون جيلا جبانا وأنانيا منغلقا على نفسه.
إن مفتاح النجاح الأساسي يتجلى في الحوار والتواصل بدل القمع والتسلط فالعنف لا يولد سوى العنف والشباب في مثل هذا السن يرفضون التحكم في قراراتهم المصيرية بل يحتاجون الدعم والتشجيع وخاصة الثقة الممنوحة لهم من قبل أبائهم من أجل التفوق والإبداع .




اختيار التوجه الدراسي أو الجامعي لم يكن يوما إثما أو خروجا عن طاعة الوالدين بل إن الإثم الحقيقي هو أن يتخبط الشاب في دراسة لا يريدها قد تسفر عن نتائج غير مرضية وضياع مستقبل وندوب نفسية غائرة ،صحيح أن الدافع الرئيسي وراء هذه التصرفات ليس شريرا أو سيئا بقدر ما ينبني على الحب الأبوي والراحة التي تحصل حين يرى الآباء أبناءهم في منصب الريادة و التفوق إلا أن هذا الأخير لايكون دائما خلف المكاتب الراقية أو بعدد النياشين و الرتب.

أما عن المواهب و الفنون فليست مضيعة للوقت بل لبنة أساسية في بناء شخصية الفرد وتهذيب سلوكه والرقي بالطالب عن الملل الذي تخلقه كثرة الدروس إلى تذوق الجمال وبالعامل عن وطأة العمل إلى الراحة والطمأنينة حتى أن بعض المدارس والجامعات صارت تقيم الطالب ليس فقط على أساس نقطه وتفوقه بالدراسة بل أيضا بأنشطته الفنية وأعماله الاجتماعية وهذا ما يميز الشخص و يخلق له مكانا مميزا و مكانة خاصة أينما حل وارتحل.