حلم تغيير العالم

0 1٬264

لاشك أننا جميعا أو أغلبنا على الأقل راودنا في وقت ما حلم تغيير العالم…أغلبنا في مرحلة ما كان يؤمن أنه قادر على تغيير أشياء كثيرة وأن العالم سيصير أفضل عندما يكبر لأنه سيصلح أخطاء الآخرين وسينجح في توحيد الناس حول الفكرة والهدف.

الحلم يتلاشى شيئا فشيئا، مع تقدم السنين يصبح الإيمان به ضربا من المستحيل…يتحول ذاك اليقين في القدرة على التغيير إلى استسلام مطلق لما تقودنا إليه الحياة وإيمان بقلة الحيلة في مواجهة كوارث وحماقات هذا العالم التي لا تنتهي.

كثيرون من أولئك الحالمين بامكانية تغيير العالم، يتلبسهم اليأس وتصبح أجمل أحلامهم كوابيس تقض مضجعهم، وفجأة يدخلون في ركب المستسلمين لكل شيء وتتحول تلك الطاقة التي كانت تحركهم ذات إيمان إلى كفر مطلق بكل شيء وبأهم شيء “الانسان” .

تلك الأحلام الكبيرة التي تسكننا ونحن صغار وتلك الفتوحات العظيمة والانجازات التي نتخيل أنفسنا قادرين على تحقيقها ونحن بعد أطفال ونحن بعد لم نخبر حقيقة الحياة وجوهرها ولم نتعود بعد أن نصغي للآخرين ونعطيهم الحق في تشكيل قناعاتنا وصياغة أفكارنا، لربما أصدق شيء نعيشه على مر العمر.

نعم لن نغير العالم، نعم كل ما اعتقدنا يوما أننا قادرون عليه مجرد أوهام لا مجال لصحتها…هكذا نصرخ في أنفسنا، هكذا نجلدها كلما وجدنا دائرة طموحاتنا تصغر وتصغر وتتقلص حتى تكاد تنكمش على نفسها، دون أي أمل في القدرة على جعلها تتفتح من جديد وكأن خريفها قد مكث ومنه لا فكاك.




مقالات مرتبطة

نعم لن نغير العالم كما كنا نتخيل ونحن صغار لأن الحياة لاتشبه في شيء ألعابنا البسيطة ولا تمت بصلة إلى عالمنا الثنائي الأبعاد…خير وشر على أبعد تقدير ، إن لم يكن الخير هو السمة الغالبة التي نرى عليها كل شيء. نكبر وتكبر معنا همومنا وتصغر أحلامنا…تكبر همومنا إلى درجة الانغماس في اليومي والتوهان عن الغاية الأولى التي اعتقدنا أنفسنا خلقنا من أجلها…”تغيير العالم”.

تحبطنا الأحداث المتناسلة من كل أقطاب الجغرافيا…تستنزفنا الحروب وتهزمنا معاركنا الشخصية ، تستهلكنا الفواجع الموبوءة بها كل الأمكنة ويستقر اليأس عميقا في أرواحنا…نتطبع أحيانا مع مشاهد الدمار وتتبلد مشاعرنا وتتحجر
وتتعب أجسادنا من مقاومة التعب والهرم الذي حل ضيفا علينا قبل أوانه.

نعيش في ترقب وتوجس مما سيأتي…نجزم أن الدور قادم علينا وأن بلداننا ليست بمنأى عما يجري بالجوار ويصيبنا الرعب من الاحتمالات الممكنة، ثم نتذكر جيراننا فنشرع في الدعاء لنا ولهم بأن يشملنا الله بلطفه.
ثم نتذكر فجأة أننا كنا نحلم بتغيير العالم، بينما نحن عالقون في أنفسنا وفي الأحداث وفي التعليق عليها مبتعدين جدا عما اعتقدنا أنفسنا قادرين عليه.

نتذكر أننا قطعنا وعودا لأنفسنا وأخلفناها وأخلفنا كل العهود التي ظننا ذات أمل ألن ننكثها.

وفي خضم حالة اليأس العام المخيمة في كل مكان يبزغ حديث نبوي شريف كأنه الفتح “حديث الفسيلة” نعم إنه ذلك الحديث الذي تحدثوا عنه كثيرا، أن تزرع فسيلة وأنت على وشك توديع هذا العالم الذي سيصبح بعد رحيلك بقليل كأنه لم يكن…هذا العالم الذي سيغدو بقدرة الله كأنه لم يخلق ورغم ذلك يمكنك قبل أن ترحل عنه وأن يرحل هو بدوره أن تزرع فسيلة، أن تغرس أملا. بامكانك في تلك اللحظة التي ترفع فيها الأعمال أن تشكل فرقا وتزرع نبتة، قد تعيش وقد لا تعيش والفسيلة قد تكون فكرة، قد تكون مشروعا، قد تكون رسالة تبعثها لأحدهم في اللحظة الاخيرة.

كي تغير العالم أنت لست مطالبا بتغيير عقليات الناس وأفكارهم، لست مطالبا أن تفتح جبهات كثيرة تتشتت وأنت تحاول أن تسد الثغرات فيها، لست مطالبا بالنتيجة لأنها ليست رهينة بك،  لست مسؤولا عنها ولا قادرا أن تشكل فيها فرقا…لن تستطيع أن توقف الحروب ولا أن  تقف بوجه الظلم أينما كان ولن يمكنك أن تقضي على الفقر ولا أن تمسح على جبين كل معذب في هذه الأرض، لكنك تستطيع أن تغير العالم إذا ما غيرت المنظار الذي تطل به عليه، ليس عليك أن تقلق على كل تفصيلة وعلى كل كارثة وليس عليك بالمقابل أن تتبلد وتتجمد…لست مطالبا بأن تركن إلى أقصى اليمين أو أقصى اليسار لتكون صاحب موقف، بل ربما عليك وعلينا جميعا أن نعي الدور المناط بنا فلربما كان وعينا ذلك سببا في تغيير حياة أحدهم، في تغيير عالمه وفي إعادة ترتيبه. ربما كان هو سببا في تغيير عالمنا، ربما تقاطعت عوالمنا وأصبح ممكنا أن نغير العالم وربما يكفي أن نهمس لأنفسنا كما فعلنا أول مرة “نعم يمكنني أن أغير العالم”.