من ضيق التحنيط الفقهي إلى سعة المقاصد

0 696

وأنا أطوف بالبيت، وقد جاوزت الركن اليماني وقاربت ركن الحجر الأسود حيث يزداد الضغط وتلتحم الأجساد كلما كان خط الطواف أقرب إلى الكعبة، لفت انتباهي رجل محرم يُدافع جواره ويرمق أسفل شقه الأيمن مرة تلو الأخرى، ثم سمعته يخاطب من على يمينه يقول “تقدمي بابا، لاتخافي..” أو نحو ذلك.. فنظرت حيث يتجه فإذا طفلة صغيرة لا تجاوز قامتها حزامه ويكاد رأسها ينطمر في لُحمة الأجساد المتدافعة، وهو يحيطها بذراعه وتكاد الأمواج تخطفها منه مرة بعد مرة. فأشفقت على الصغيرة أيما إشفاق، وسَرَت في جسدي قشعريرة من تخيل مصيرها لو حصل اضطراب وتدافع لا قدر الله، حيث تكون وهي الضعيفة القصيرة الخفية بين السيقان أول ضحايا الأقدام الجافلة والأجساد المتكومة المتراكمة.. فحاولت جهدي أن أساعده في تتريسها إلى حين، وبعد أن كدنا نتجاوز ذروة الازدحام بمحاذاة مقام إبراهيم قلت له بعد تردد: ” يا أخي، لو أخذتها في مسار أبعد من الكعبة بضعة أمتار لكان أسلم لها وأريح لك!” قال وهو يكابد أنفاسه “غير ممكن” قلت “لم؟؟” قال بسرعة وهو يبتعد عني” مسألة اختلاف مذهبي، لابد أن نطوف بين البيت والمقام !!!”

مقالات مرتبطة


أخذتني موجة الطائفين بعيدا عنه، وحملتني موجة الفكر لأبعد من الواقعة العابرة. ماذا لو صح مذهب صاحبنا، هل يبطل طواف كل هذه الألوف التي تملأ الصحن وطبقات المسجد الثلاث؟ ما ذا لو صح منهجه في التعامل مع الفقه وقضاياه، والجمود –دون مراعاة الواقع- على أحكامه وفتاواه، هل يكون على المسلمين أن يتقاتلوا جميعهم للمرور بين البيت والمقام حيث الموت المحقق تداهسا واختناقا أو ترك الاعتمار والحج عجزا وخوفا على حياتهم واحتياطا؟
والذي زاد تخوفي واهتمامي للواقعة أنها ليست معزولة ولا فريدة، بل لها نظائر كثيرة ومنظرون أكثر ممن يسوقون تحنيط الأحكام الفقهية وإلغاء مراعاة الاختلاف واعتبار اجتهادات المذاهب المخالفة في ضوء ما استجد من معطيات الواقع وظروف أداء المناسك والعبادات في الحياة المعاصرة وأنماط العيش الحالية على أنه أصح التدين وذروة سنامه، بل وتسويق الجمود على ما أقره بعض فقهاء المذاهب على أنه قمة التشبث بالسنة والثبات على الحق وسبيل “الفرقة الناجية” من شطحات الزائغين عن المحجة البيضاء!!!




وقبل أن أرتد من سرحاني في ظلال هذه التأملات، أعادتني إليها موجة جديدة تعود إلينا كل سنة مع اقتراب العيد وحلول موعد زكاة الفطر، موجة تركت صداها في بلدي و وجدت أصلها في جنبات البلد الحرام، موجة تسترخص في سبيلها الجهود وترصد لها الطاقات والموارد وتروج لها الفتاوى والمناظرات وتوزع فيها المطبوعات، لا لتجدد فينا ما بلي من عقيدة الولاء والبراء ، ولا لتحيي فينا ما كان أبجديا عند الجيل الأول من أن موالاة اليهود والنصارى واتخاذهم بطانة وأداء الجزية لهم ناقض لعقد التوحيد، ولا لتذكرنا بأن موالاة المؤمنين ونصرتهم لازم من لوازم الإيمان لا يجبر الإخلال به بحج ولا عمرة ولا صيام ولا قيام، ولا لتجيب عن أي من أسئلة الواقع المقلقة والمقلقلة لما تبقى من وجودنا بصفتنا مسلمين… ولكن لتنفث في روع الشباب أن أكبر الخطر وأجل منكر يتهدد عبادتنا أن يخرج الناس زكاة الفطر نقدا لا طعاما؟؟؟


قلت لصديقي وقد قيل له أن صيامه متعلق بزكاة الفطر، وزكاة الفطر متعلق إجزاؤها بأن تخرج “أرزا” : هل الأرز طعام هذا البلد علما أنكم لاتنتجون منه حبة واحدة؟ أم هو مورد ثروة الموردين له من أقاصي البلاد الأسيوية؟ هل للمقاصد عندكم مكانة تراعى؟ النبي صلى الله عليه وسلم قال حين فرض زكاة الفطر < أغنوهم (أي المساكين) عن الطلب في هذا اليوم >، فهل بالأرز أم بالنقد تسد حاجياتهم ويغنون عن الطلب في يوم العيد؟ كان نمط العيش السائد قديما لا يعتمد أساسا على النقد، وإنما على مخزون الطعام برا أو تمرا أو زبيبا أو غيره، يعالج مباشرة في البيوت، وصار نمط العيش اليوم معتمدا أساسا على النقد، يخزن الناس النقد ولا يخزنون الطعام، ويشترون طعامهم معالجا ولا يعدونه عدا مباشرا من مواده الأولية، وصارت المخابز والأسواق والبقالات تؤثت فضاءات المدن والقرى، وصارت حاجيات العيد التي يحتاجها الفقير ليستغني عن الطلب كثيرة ومتعددة ومنوعة ولا يمكن جمعها بالسعي ولكن بالنقد.. ثم إن المزكي نفسه وإلى وقت قريب كان يخزن الطعام أكثر مما يخزن النقد، فيكون المتيسر له أن يخرج الزكاة مما في خزانته أو “مطمورته”، بينما لا أحد منا اليوم لديه أرز أو بر أو شعير مخزن، وإنما نشتري بالنقد كل ذلك لنعطيها مسكينا يحتاج النقد لسد حاجياته، فيبيعها بأبخس ثمن ليحولها من جديد إلى نقد!! فهل بغرس رؤوسنا في الرمال وغض أبصارنا عن الواقع والإصرار على إعطاء الزكاة طعاما وإنكار إخراجها نقدا يتحقق مقصد الزكاة وقد تحدد < أغنوهم (أي المساكين) عن الطلب في هذا اليوم >؟ أم أننا بذلك نحقق مقصد التجار الذين يبيعون في هذه المناسبة لنا كميات هائلة من الأرز لنحول بذلك أموال زكاتنا نقدا (12- 15ريالا للكيس) ثم يضطر المساكين لبيع ما جمعوا لهم بنصف الثمن ليحولوا الأرز إلى نقد، وبين التحويلتين يكون المستغني الوحيد هو التاجر، الذي يستفيد من فتاوى التحنيط بلا مقابل!!! أليس عبثا – والشرع منزه عن العبث- أن يقف المسكين عند باب البقالة يريد النقد، فأمهله حتى أحول النقد أمامه إلى أرز، وأسلمه له ليحوله في الحين من جديد إلى نقد بعد أن يعيده للتاجر نفسه؟ فعلى من تصدقت في واقع الأمر: على المسكين أم على التاجر؟




وقد اضطررت أن أخرج لقضاء بعض الحاجيات صبيحة يوم العيد في مكة، وكان الحر شديدا والشوارع شبه خالية، فإذا بي أجد مصداق ماأقول في طريقي: وجدت نساء من فقراء مكة ذوات الأصول الأفريقية يجلسن على أكياس من الأرز أمام دكان بقالة في عز الحر ينتظرن صاحب المحل الذي قد يأتي أو لا يأتي ليبعن له حصيلة ما جمعن من زكاة الفطر: قلت ياللبون بين مقصد الشارع و واقع أنتجه علماء التحنيط الفقهي، أرادهم الشارع أن ينعموا بالعيد بين عيالهم وذويهم كما ينعم سائر المسلمين، وأخرجهم أصحابنا إلى دكاكين التجار ينتظرون في ذلة أن يتفضلوا عليهم بتحويل الأرز إلى نقود !
لكن ظاهرة التحنيط الفقهي والعرفي ليست عفوية تظهر عند أفراد معزولين قصر بهم فهمهم عن الارتقاء إلى فضاء المقاصد وسنن المنهج التي تعلمنا أن الواقع لا يرتفع، وأن النبي صلى الله عليهم كان من منهجه مراعاة هذا الواقع تحقيقا للمقاصد الكبرى (كرفع الحرج، وربط حدود التكليف بالاستطاعة وغيره..) بل الملاحظ أنها من ثوابث الدوائر السلطانية على اختلاف ما اختارت الجمود عليه من مذاهب وأعراف. ولأن الدوائر السلطانية لا يهمها من الدين إلا ما يثبث العروش ويخضع الرقاب، كان من المشروع أن نتساءل: هل للاستبداد السياسي في العالم الإسلامي مذهب فقهي؟ – يتبع-