فأعينوني بقوة

0 821

وحدها الأهداف السامية والغايات النبيلة والمشاريع العظيمة لا يمكن الوصول إليها صدفة أو فلتة؛ بل لابد أن وراء تحقيقها إرادة صلبة وعزيمة صادقة، أثمرت ثقافة عملية تكاملية، وجهودا عظيمة وواقعية، عملت معا يدا بيد حتى تحقق البناء وتم الإعمار، وذلكم هو التعاون المذكور في قول الله تعالى عن ذي القرنيين: (قَالَ مَا مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ).

ولهذا فإن الإسلام أوجب التعاون ورغب فيه فقال تعالى: (وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَاب). وذكر لنا القران الكريم عددا من النماذج المشرقة والصور الناصعة التي نجحت في تجسيد قيم التعاون ومفاهيمه العظيمة في عدد من مجالات الحياة. ومن هذه الصور مثلا التعاون على نشر قيم الخير، ومجابهة الظلم والوقوف في وجه الطغيان، وهذا ما قام به موسى مع هارون عليهما السلام في مواجهة طاغية عصرهم، وقصتهم في القرآن من أكبر القصص التي لم تأت للتسلية أو الترويح، ونضالهم التاريخي لم يكن حدثا عابرا أو مشهدا غابرا؛ بل كان نموذجا من نماذج المقاومة لمشاريع الاستبداد وقوى الطغيان التي ثمثلت بفرعون وقارون وهامان وجنودهم.




ومن هذه النماذج الخالدة نموذجان عظيمان ساهما في بناء مؤسسات المجتمع بناء ماديا ومعنويا، وهما إبراهيم وابنه إسماعيل عليهما السلام اللذان قاما ببناء المسجد وإعلاء دعائمه وعمارته وإحياء رسالته، والمسجد في تاريخنا الإسلامي من كبرى مؤسسات المجتمع التي قزم دورها وهمش أداؤها، وتحتاج لإعادة اعتبار واهتمام يليق بها وبمكانتها العظيمة.

وفي سيرة نبينا المعصوم صلى الله عليه وسلم مواقف عظيمة وكثيرة جسد من خلالها قيم التعاون قبل البعثة وبعدها، فلم يكن قبل البعثة إلا رجلا إيجابيا (يحمل الكل ويكسب المعدوم ويقري الضيف ويعين على نوائب الدهر) وهذه القيم وغيرها من قيم التعاون هي التي تحافظ على سلامة الأفراد والمجتمعات، وهذا ما جعل أم المؤمنين خديجة رضي الله عنها تجزم للنبي صلى الله عليه وسلم بقولها:(كلا والله لا يخزيك الله أبدا). وسيرته العطرة مليئة وحافلة بمثل هذه المواقف كالهجرة وبناء المسجد وحفر الخندق والمعارك والغزوات وغيرها، بل إنه صلى الله عليه وسلم أشاد بالتعاون والتحالف حتى مع غير المسلمين في رفع الظلم والأخذ على أيدي الظالمين، وهو القائل عن حلف الفضول:(لو دعيت إلى حلف مثله في الإسلام لأجبت) وما ذلك إلا لأن النبي صلى الله عليه وسلم يشجع أي فكرة يمكن أن تساهم في تطبيق هذا الخلق عمليا، ولعل التحالفات والمبادرات والمؤسسات المختلفة المعاصرة من الوسائل التي تنقل التعاون من حيز التنظير إلى واقع التطبيق، وهي بحاجة إلى تنسيق الجهود وتبادل الأدوار والتركيز على المصالح الكبرى التي تحتاجها الأمة، حتى لا تذهب الجهود هدرا وتضيع سدى.
والإسلام قد بارك هذا الخلق ودعا إليه ورغب فيه، بل جعل التعاون في الواجبات العامة، والعمل على خدمة الأمة، والإسهام في حل قضايا الناس، والقيام على حاجاتهم أفضل من الانهماك في مندوبات العبادات الخاصة ونسيان حقوق العامة، وقد يكون الانهماك فيها على حساب المصالح العامة الكبرى مخل بشخصية المسلم المتزنة، وقد يؤثر ذلك على قبول عمله، لاسيما إذا حدث هناك اعتداء على بعض قيم التعاون أو انحراف فيها كالصوم مثلا الذي لا يقبل مع قول الزور والعمل به، ومثله الحج المقرون بالرفث والصخب، والصدقة المقرونة بالمن والإيذاء وهكذا.

مقالات مرتبطة

والنبي صلى الله عليه وسلم عندما يشبه المجتمع المسلم بالجسد الواحد، أو بالبنيان الذي يشد بعضه بعضا لم يأت هذا التشبيه من فراغ، بل أتى لأن قيم التعاون يجب أن ترسخ في حياة المسلمين، والمتأمل في الواقع يجد أن لبنات هذا البناء متناثرة وجسد هذه الأمة مبعثرا، وهذا يتطلب منا بذل الجهد لجمع اللبنات وإعادة تأهيلها لتصلح للبناء، والتعاون على لملمت الأشلاء وتضميد الجروح وتطبيب القلوب والعقول، وهذا لايكون إلا بالاقتراب من بعضنا، وتحجيم نقاط الخلاف وما أقلها، وتعزيز نقاط الاتفاق وما أكثرها، والاعتراف ببعضنا بدلا من محاولة طمس الآخرين ونسيان جهودهم، ذلك لإن الإسلام يوجب التعاون فيما يحقق المصالح العامة، ويبارك أي جهد جماعي يعزز قيم الأمة ويحيي الخير ويدفع الظلم بغض النظر عن هوية المتعاونين وانتماءاتهم، مادامت هناك مساحة للتعاون وقواسم مشتركة يسعى الجميع من أجلها.




إن التحدي الأكبر أمامنا الآن أن نتعاون مع وجود الخلاف، لإن الخلاف سنة من سنن الله في الحياة فلا مفر منه، ولأن نقاط الاتفاق تفوق نقاط الخلاف بكثير؛ وهذا لا يعني التسليم مطلقا بالخلاف، بل يعني أن ننظم الخلاف ونحصره في أضيق نطاق، وألا تؤثر نقاط الخلاف على القواسم المشتركة الواسعة والقضايا المتفق عليها، والعاقل هو من يبحث عن المتفق عليه قبل البحث عن المختلف فيه ويستثمر نقاط الاتفاق القليلة ويعززها، ويتسامى فوق جراحاته، ويتغلب على هوى نفسه ويمد يده لغيره، ويصنع من لا شيء أشياء، ويسهم في بناء الحياة رغم الاختلاف والتباعد. ومن هذا يتبين لنا أن التعاون يقزم دور الفرد ويعزز روح الفريق، ويقوي دور العمل المؤسساتي، ويحارب العشوائية، ويجرم صناعة الطغاة وإنتاج الأصنام البشرية، ويحقق التكامل، ويوجه الجهود التي أهدرت في غير طريقها، والأموال التي صرفت خارج نطاقها إلى الوجهة الصحيحة، وهو الى ذلك فريضة شرعية وضرورة بشرية، ومقوم من مقومات النجاح للأفراد والجماعات والمؤسسات والدول، وعامل من عوامل النهوض والتقدم.