“عذرا…القطار القادم من الشباب و المتوجه الى الأحلام سيتأخر قليلا ! “

0 933

“حقق أحلامك من أجل نفسك” يا له من شعار!! لطالما استهوتني وأقنعتني أطروحة أن الإنسان يستمد قيمته من جماعته وأفرادها، من قبيلته وعشيرته، من مجتمعه و مكوناته، إن إسقاطنا من ولدى الآخرين هو الذي يولد تلك القيمة، ويجعل كل شخص منا يمنح مقياسا لقيمته، لما هي عليه ولما يريدها أن تكون عليه، و من هنا يكتسب كل شخص وعيا لبعد حاضر، مستقبلي أو غيبي يضعه أمامه فيجعله إما راضيا عن ما حققه وسيحققه أو يائسا تعتليه خيبات أمل. غير أن تحقيق الأهداف والأحلام ارتبط في وعينا الفردي والجماعي بما سيتلقاه من صدى، فتجد نفسك أمام حكمين كلاهما نسبي وخاضع لعدة تأويلات، فالحكم الأول يمنحك درجة النجاح مع مرتبة التميز، والثاني يعيدك لنقطة ما قبل الصفر، ليخبروك أنك لم تصب اختيار أهدافك! أليس كل التناقض أن يمنوا النفس بشعارات من قبيل: حققها لذاتك، ويحكمون عليك عند بلوغها بأنها فاشلة، “لقد كانت ملكي؟ما دخلكم الآن في كونها فاشلة؟”.






– إن بناء شعارات التشجيع والتحفيز يجب أن يتلائم مع طبيعة الوعي الجماعي الذي ينتمي إليه كل حالم وعامل على النجاح، فاقتباس شعارات خلقت لبيئة تعترف أن مسؤولية فشلك توازي نجاحك في تحقيق الأهداف بقدر ما توازي اختياراتك، وترديدها في بيئة تعتبر ما تملكه وما اشتغلت عليه لك، إن كان فاشلا، إلى حين ثبوت نجاحه ،فتعلن أن أهدافك هي بمثابة إنجاز جماعي، يعد تعاملا أنانيا تجاه كل شخص يسعى جاهدا لإثبات ذاته من خلال أحلام قد تبدو للمسمى بالمجتمع “بالواهية”، لكن الإدراك الجماعي لهذا الأخير لم ينضج بعد ليعي أن معيار التصنيف الوحيد الذي تخضع له الأهداف هو الوقت: حيث يحق لنا أن نصف أهدافا بكونها قصيرة المدى، متوسطة أو بعيدة، فمحدد الزمن الفاصل بين عمليتي الانطلاق والوصول هو العامل الذي قد تتفق بشأنه جميع العناصر المحيطة بالشخص الحالم، غير ذلك فهي معايير أبعد عن الموضوعية، أقرب إلى تبرير الإحباط، فالحكم حسب الزمن عينه كفيل في حالات معينة أن يعيد الشخص خطوات للوراء ما إن لم يتم احترام السياق. دور الذات الجماعية إذن يكمن أساسا في بناء انسجام وتوافق بين ما تطمح إليه من خلال شبابها وما تقدمه لهم من معروف في احترام قراراتهم وأهدافهم دون إخضاعها لتصنيف؛ تضييق أو حكم.




تأثير الانتماء في المقابل، لا يحصر في الحكم على الهدف وتصنيفه، إنه يتجاوز ذلك لتحديد طبيعته وصنفه، وأمد حياته، ودورة تحقيقه، إن الاتصال بانتماء جماعي يخلق في غالب الأحيان للمعني بالأمر نفسه نوعا من النمطية في اختيار الأهداف، فهذا ما يفسر موجات الأحلام التي تعتلي شباب عصرنا: لقد أصبحنا ننهج نفس الخطط، ونرسم جميعا نفس الطريق مع ترديد نفس الطموحات، لم تسلم عبارات التشجيع والتحفيز الذاتية أيضا من النمطية فالجميع يتفاخر بمجموعة من الصفات (الثقة،الصبر،المثابرة،الإبداع…) االتي كانت في وقت ليس ببعيد تترك وقعا كبيرا في أذهاننا، لكن اجترارها بشكل مبالغ ولد نوعا من الغرور الجماعي لدى شبابنا، وأصبحت أهدافه واضحة المعالم بشكل ممل وتكرر نفسها مما يدمر تميز الافراد ، لقد أصبح من السهل توقع أهداف الشباب وأحلامهم، فرغم امتلاكهم لملكات إبداع وقدرة على تطوير المهارات، إلا أن الجميع أصبح يحلم بتغيير العالم من زاويته وفرض رؤيته التي يراها الخلاص لواقع أجمل وأفضل، إن خاصية الحالم الأولى هي تميزه، لقد نسي الجميع الهدف الأول والأسمى من حلمه، و ركضوا وراء الحلم الجماعي، إن الحلم خلق ليكون فرديا فلا وجود لحلم جماعي، او هدف عام، فليس الجميع قادرا على تغيير العالم وخلق توجه جديد، لكن بإمكان كل شاب بناء طريق خاص به يختار له عنوانا وشعارا مختلفا: أبدعوا في اختيار أهدافكم واتركوا تغيير العالم، فأهدافكم لن تغير العالم بأسره لكنها حتما ستكسر خط النمطية الذي ساهمنا في بنائه بشكل غير مباشر -عندها سنجد يدا خفية تقود أهدافنا الفردية نحو ما يفيدنا جميعا- فليس من الصائب و لا المنطقي ان ننتقد في كل فرصة ومناسبة منهج العامية في التفكير والحكم، وننساق معه في رسم خطى أحلامنا ونتوحد في أهدافنا، كأن الابداع حكر على الشكل والمظهر والشعارات.

مقالات مرتبطة


إن تعددية الأهداف وتنوعها و انفراد غاياتها، واختلافها عن الركب العام، هو ما يحولها لتجارب غنية ويثمنها، أما توحدها يقلص احتمال خوض مغامرة الفشل والنجاح، سيعتمد الجميع عندها خريطة الطريق الجاهزة، والكل سيسلك السبيل الأكثر ضمانا و نجاعة، فتتزايد نسبة النجاح ويتباهى الجميع بتحقيق أحلامه، غير أن الحقيقة تبين أن لا أحد صابر، جاهد، ثابر ،أو وثق بنفسه ومهارته، لقد وثقوا فقط بمعادلة أثبتت صحتها وفعاليتها واقتبسوا منها الجاهز ليتفاخروا بإنجازات لا يدركون منها سوى شعارات جوفاء ومهارات اعتادوا ترديدها دون أن تمت لتجاربهم بصلة، وصفات أوهموا نفسهم بامتلاكها، انه نجاح مزيف!
أهدافنا ذات قطبين، وجب تحقيق التوازن بينهما بشكل لا يضر بالمحيط ولا يعيق عملية التقدم، فالقطب الأول يحرم عليه رسم توجه عام يحكم على من خالفه بالفشل، أما الثاني فلا يعذر إن انساق وراء هذا التوجه أو لم يحاول ولو بالقليل الانسلاخ عنه و نهج السبيل المنفرد، ولا يستحق صفة الحالم والساعي وراء أهدافه.
نعم يحق لكل شبابنا أن يرفعوا شعارات الأمل؛ الحلم والطموح بل يحق لكم أن تخبروهم بأن يتركوا لكم الفشل و يتباهوا هم بالانتصار، لكن لا أحد سيلتمس لكم عذرا إن خانتكم شعاراتكم، فالأحلام ليست قالبا يحمل أهوائنا ولا حاجزا يخفي رغبات زائلة، إنها قناعات راسخة تنبثق عن تفوق حصري، و تميز قل نظيره.