الحجاب بين النقل والعقل.

0 616

عندما كنت في سن الخامسة عشر كتبت مقالا بعنوان “هل نحن مسلمون” المقال كان مجموعة تساؤلات عما إذا كنا مسلمين حقا، هل سلوكاتنا هي انعكاس لكوننا مسلمين؟ هل نستحضر في تفاصيل حياتنا اليومية كوننا مسلمين وهل ينعكس ذلك على معاملاتنا، مظهرنا، مهماتنا…في ذلك الوقت كان ارتداء الحجاب يعد ثورة على التقاليد والأعراف، لم يكن دعاة الفضائيات قد ظهروا بعد وكان البرنامج الدعوي الوحيد الذي يعرض ساعتها هو “الشريعة والحياة” ورغم ما كان يعرف به الشيخ القرضاوي من لين وتيسير وقتها إلا اني عندما أقارنه بما حل بالدعوة ومن تصدى لها الآن أقول ربما يصنف اليوم من دعاة التشدد والتعسير.

أعود للحجاب، كان ارتداء الحجاب وقتها يعني أن غطاء الرأس الذي سترتدينه سيصاحبه أيضا لباس أثواب فضفاضة وطويلة مقارنة مع السائد وأن معاملاتك ستتغير مع الجنس الآخر وستصبح أكثر تقنينا، عدم مصافحة الأجانب أيضا والالتزام أكثر بالفرائض والنوافل كانت من الأشياء التي لا محيد عنها.




ارتداء الحجاب كان يعتبر في حد ذاته ثورة ودعوةً فهو كان إعلانا صريحا أنه يمنع الاقتراب، وكان يعني أن الفتاة ستتغير إلى الأفضل وستحاول الارتقاء بعلاقتها مع لله، الأمر كان ينجح مع كثيرات لكن ربما لم ينجح مع أخريات لكن النية بأن تصبحي أفضل وأقرب الى لله كانت دوما حاضرة.
كان يختلف تقبل المجتمع لمن قررت ارتداء الحجاب، فغطاء الرأس كان موجودا ومألوفا لكنه كان أوسع انتشارا بين المتزوجات والمسنات، لكن أن تقرر فتاة في مقتبل العمر ارتداءه بشروط (ألا يظهر إلا الوجه والكفين) كان يعد تشددا وإقبارا لوردة لتوها تفتحت.
في غضون سنوات قليلة تغير الأمر ولم يعد ارتداء الحجاب بين صفوف المراهقات شيئا مستغربا أو نادرا، بل أصبح الامر كأن الجميع اكتشف للتو أن هناك فرضا على المرأة اسمه الحجاب، انتشرت القنوات الفضائية وظهر دعاة جدد كان على رأسهم الداعية المصري الذي كان خطابه العاطفي شديد التأثير على الشباب ساعتها وكانت للفتيات الحصة الأكبر من جمهوره…فجأة لم يعد الحجاب ذلك الشيء المخيف الذي عليك أن تحاربي من أجل أن تلبسيه وبدا أن ارتداءه أمر مقدور عليه، كان شائعا آنذاك أن المحجبة لا تضع الماكياج ولا تكثر من الألوان، لكن بدأت هذه القاعدة تكسر شيئا فشيئا فالجمهور الحاضر في محاضرات النجم الدعوي الأول جله محجبات في كامل زينتهن…إذن لا بأس أن تضع المحجبة بعض الماكياج وأن تلبس من كل الألوان ولا بأس إن كان قميصها ضيقا بعض الشيء أو قصيرا.

مقالات مرتبطة

ثورة الإنترنت

أفيون الشعوب

ارتداء ما يسمى بالحجاب أصبح أسهل وقائمة الممنوعات المصاحبة له بدأت تتهاوى الواحدة تلو الأخرى خاصة مع ظهور فضائيات الخليج ودعاة جدد كل يغني على ليلى لا تشبه في شيء ليلى التي عرفها الجميع أول الأمر.
انتقلنا من مرحلة كون الحجاب شيئا نادرا إلى اكتساح كامل للمشهد، وبعدها انتقلنا من شكل موحد أو قريب للباس إلى تفنن في أشكال الحجاب وأنواعه، ثم انتقلنا من مرحلة كون الحجاب شيئا نتقرب به الى الله ونحاول من خلاله أن نكون أفضل إلى عادة اجتماعية، حتى أصبحت الأسر في حالات كثيرة تفرض على بناتها ارتداءه، ثم إلى مرحلة تحول معها الحجاب إلى موضة أصبحت معها الشركات تتنافس في الأشكال والألوان، ثم جاء اللباس التركي الذي أنقذ الكثيرات من محاولة مواكبة حجابها للسائد والجمع بين الأناقة والاحتشام.
الحجاب مع الوقت أصبح لا يدل على شيء لا على التزام ولا على أية رغبة في أن ترتقي بنفسك لتصبحي أفضل…إنه لباس فقط قد يمنحك بعض الحصانة عند البعض وقد يصنفك عند البعض الآخر وقد يكون غطاء لشيء حسب كثيرين.
الحجاب لم يعد يحتاج أن تحسني من نفسك في مجال العبادات ولا المعاملات، لا يهم إن كنت تصلين أم لا، إن كنت تصومين أم لا، إن كنت تتقين الله في معاملاتك أو في مهنتك أو تبرين والديك…كل هذا غير مهم…لكن غطاء رأسك مهم جدا حتى إن لبست بنطلونا ضيقا أو تنورة قصيرة او اصبح وجهك لوحة فنية من كثرة الماكياج…إن غطاء رأسك مهم جدا لكي يشعر المجتمع أن كل شيء بخير وأن بناته كريمات…لن يكون من الصادم أبدا أن تصافحي الغرباء كما كان الأمر قبلا ولا غريبا أن تتعدد علاقاتك ولا مستغربا أن تضعي كل أنواع العطور الفواحة والتي قد تشتم على بعد مترات كثيرة…الحجاب أصبح يشبه السوط الذي ينزل على ظهر الأنثى اذا ما قررت خلعه لكنه صار يشبه كل شيء إلا كونه حجابا، فالتفاصيل المصاحبة له لم تعد بتلك الأهمية وإظهار خصلات من الشعر أصبح شيئا مطلوبا لكن المهم أن يبقى ذلك المنديل فوق رأس الأنثى وإن لم يغطه كاملا، أصبح المجتمع يقدس شيئا اسمه غطاء الرأس في مقابل لامبالاة تامة إذا ما كان هذا الغطاء ينم عن قرب من الله أو بعد عنه.



أصبح المجنمع هو الذي يقرر ويصنف ويضع هذه في خانة العفيفات والأخرى في خانة المنفلتات وهو نفسه في مرحلة متقدمة وصلنا لها الآن بفعل نظرية “التطور” أصبح يشجع على التمرد كيفما كان شكله المهم أن تكوني أنت وتتمردي.
التمرد في ظاهره يبدو تمردا على الدين ولكنه في عمقه تمرد على المجتمع باسم الدين في مقابل تسلط المجتمع باسم الدين أيضا، الكل يتحدث باسم الاسلام والكل يصر أنه يفهم الاسلام أكثر من غيره بينما الصراعات في أساسها هي صراعات قناعات شخصية يجتهد كل واحد في إثبات صحتها مستشهدا بذات الأحاديث والآيات لكن كل يفصلها على مقاسه.
الحجاب نموذج فقط لصراع قائم منذ مدة طويلة بين أفكار لا تتجابه بقدر ما تتلون بصيغة الدين تارة وبصيغة المدنية تارة أخرى والحرية في أغلب الأحيان، الكل أصبح يفتي بما يمليه عليه هواه يأخذ ما يحب ويترك ما وجد في نفسه حرجا منه، اليوم الاسلام العصري يقتضي أن نكون منفتحين جدا ومتقبلين للآراء جميعها وتاركين للناس حرية اختيار ما يرغبون به وهو أمر لايتعارض مع جوهر الاسلام بقدر ما يصبح أمرا غير مقبول عندما تصير الآراء خاضعة للمزاجات، الاسلام اللايت يقتضي اليوم أن لا نصعب على الناس كثيرا فالحجاب لم يذكر بصريح العبارة في القرآن وإفطار المرأة الحائض كذلك وشعائر الحج أيضا وصفة الصلاة، القرآن لم يذكر كذا ولم يشر الى كذا وهذا يحلنا من كثير من الأعباء التي اجتهد العلماء في فرضها علينا، هؤولاء العلماء الذين ليس من حقهم أن يقرروا في مصائرنا التي علينا اختيارها بأنفسنا، نحن الذين نملك حرية التفكير بامكاننا استنباط الأحكام دون وسيط حتى إذا كان هذا الوسيط هو السنة التي غير ما مرة أشار القرآن إلى وجوب اتباعها “فلا وربك لا يومنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما” 65-النساء، لا، نحن نجد حرجا فيما قضى ولن نسلم تسليما. هذه هي الرسالة التي علينا استيعابها ربما.
ما يقع اليوم هو حصيلة قرون من قمع النقاش وهو ايضا نتاج للاستسهال وتحيز للرأي اما تمجيدا للعقل تارة أو ترجيحا لكفة النقل تارة اخرى وهو نتيجة حتمية لضيق الصدور من فساحة الاختلاف في مقابل رحابتها لمسببات الخلاف.