جمالية التّرك

0 924

لم تكنْ تجاربهم سوى جرم آخر في حق الإنسان الذي كان بالإمكان قلبُ الصورة ورؤية وجه النور في الجهة الأخرى للعملة .. لكن دعونا نقول بعدها أن كل انزياح عن فطرة الإنسان النقية شذوذ غير مقنع وإن ظهرت مبرراته مثيرة للعاطفة ..

هذا زميلٌ لم يمر على التحاقه بالعمل سوى مدة قليلة ؛ لكنه لم يترك المكان إلا بعدما تحول إلى شبه بركان دائم الإنفجار ؛ فوضى بالجملة ؛ وفسادٌ في الأرض ؛ لم يترك شجراً ولا طيراً ولا قاعة درس إلا قد اشتكت فوضاه ؛ ولولا أن تكون له خبيئة مع الله لا نعلمها لقلنا أنه مغضوب عليه ..

تسبب هذا الزميل في احتباس للأنفاس لمدة طويلة ؛ ارضاء لـِ ” أنّاه” المتهورة التي لم ير أنها أصغرُ من أن تبلُغ مقاماً بحالتها التي لا تعرفُ إلا التدمير؛ لم يراع حاجة طفلٍ صغير كان بحاجة لفضاء تنقطعُ فيه أنفاسه من الفرح ..



تلك صديقةٌ ؛ بعدما تعذر ارتباطها بمن ألبسها الخاتم لسبب ما ؛ طلبت الإنفصال بالمعروف ؛ ومع أن الخطبة وعد بزواج فقط ولم تكن يوماً زواجاً ؛ فقد تعذرعلى خطيبها فهم الأمر ؛ لأنه كان يحسبُ خطبتها امتلاكاُ ؛ ولم يخلُ الترك من داعشية أخلاقية .. تسرب إلى كل ثقب عبر الجيران ؛ والعائلة ؛ وحتى مواقع التواصل الإجتماعي ومقر عملها ؛ ليعلن عن سوء أخلاقها وفجورها ؛ نشر كل ما استطاع وما لم يستطع من أكاذيب وتأويلات هدفها الإطاحة بمن ارتضته يوماً رفيق حياة …كان أن دفعت جراء هذا الترك سنوات من عمرها لتفنيد الروايات وتصحيح المسار .. ربما كان لهذا الترك ألف سبب وألف عثرة .. ربما كان مُحقا فيما رواه … وربما لا ؛ لكن الأهم هلْ كان من دواعي الترك حقا تجاوز كل تلك الإشارات الحمراء للمفترقين ؛ من أجل خطوة لم يكتب لها التمام أو كان فرض عينٍ عليه أن ينشر الغسيل ( المشبوه ) حفاظاً على كرامته كرجُل تُرِك ولم يُترَك ؟


في ذات الوجهة المقابلة ؛ امرأة من الجيران القدامى ؛ كانت بعد أن استحالت العلاقة الزوجية والكل كان يرى ذلك ؛ طلب الزوج الطلاق .. لم تستسغ وصفة النهاية هذه ؛ فلجأت لصنوف الشعوذة والسحر ؛ حتى عاد الرجل غير الذي كان ؛ أخذت ما يملكُ من نقود وممتلكات ..ثم شوهد على الرصيف متشردا يرمي الحجر ويصادق القطط ويأكل من الحاويات ….
في عالم موازٍ ؛ فتاتان كانت صداقتهما مضرب المثل في الوفاء والمثل ؛ فجأة ما لم يعد السلام يجري بينهما ؛ وحاولت كل من طرفها أن تبرئ نفسها على حساب قلب التي كانت “صديقتها ” ..

مقالات مرتبطة

ثم هذا الذي جمعتني به رحلة السفر يوماً في طاكسي ؛ يحكي أنه هاجر إلى الضفة الأخرى ؛ حفاظاً على حلمه ؛ صار إلى بلد تزهر فيه الأمنيات والأحلام ؛ حمل حقيبته وشتم الوطن وأهله وجارته التي تقيم ولائم العزاء على الراحلين ..ثُم من هنَاك بث رسائل مفادها ” لعنة الله على الوطن ” ..في كُل مرة يتحدثُ ؛ أجدُ غصة بقلبي تزداد مع حديثه عن الخذلان الذي لاقاه والسفينة التي لم ترسُ بأحلامه التي كبرت في الفقر ؛ تحدث عن بلد الحريات واحترام الآخر والإختلاف ؛ في أثناء ذلك سبّ كل من يقول إن هذا الوطن يستحق التضحيات وأنه لا يمكنه أن ينبت قمحاً إلا بأهله ؛ وأن الوطن هو وأنا وهم ..




يومها وقفتُ على هجرة الحبيب وما كانت تطويه من جمالية في الترك « والله إنك لأحب البلاد إلى الله وأحب البلاد إلي ولولا أن قومك أخرجوني منك ما خرجت»…
وقفتُ على زوجين باعد بينهما الإيمان والكفر ومع ذلك حفظ كل منهما لرفيقه حسن العشرة ؛ وافتدته من الأسر بقلادة أمها العتيقة..
لا أحد بإمكانه أن يلوم مهاجراً لم هاجر ؛ لكن بالمقابل بإمكاننا جميعاً أن نكون رسالة جميلة لهذا الوطن حتى بعد الرحيل ؛ بإمكاننا أن نعمل من أجله في البُعد لنعود بعد ذلك فاتحين ؛ دون أن نلعن آخـر الصفحات التي كتبنا فيه ” حب الأوطان من الإيمان” ..بإمكان كل المغادرين أن يتخففواْ من هذا العبء في إيصال رسائل الاحتقار والاستهزاء بمن لا يزال يقبضُ على تراب الأرض وملح الحياة بداخله ..

كلّما وقفتُ على حالات الترك هذه ؛ تغلغل إلى داخلي غصباً هذه الداعشية التي تعيش في دواخلنا ؛ تلْك السمعة السيئة التي أصبح تطبع قصص الترك في تجاربنا ؛ ذلك الفيض الذي يجعل منا أناسا آخرين لا يستوعبون معنى سنة الله ؛ التي تقتضي في كثير من الأحيان الترك والتخلي من أجل العبور بسلام … من أجل حياة جميلة تحفظ للذكريات سدها المنيع ضد احتقار من ربطنا بهم يوماً أواصر الحب ..

ليس على المغادرة أن تكون بكل ذلك القدر من الألم والجراح ؛ فوحده عالم الترك وحيدا يخلقُ بدواخلنا فتحة لا تُخاط بشكل يسير ..فكيف لو اجتمع البؤسان !! …
ثم ليس علينا أن نثقل كاهلنا بهذا الحمل الجديد ؛ إذا كان بإمكاننا التخفف منه بحِلم ..
حقيقة واحدة يمكنها أن تجعل الترك هينا ؛ حين ندرك تماما أن السفينة لا تتوقف إثر موجة ؛ وأنها لا تضيق برحيل شخص أو مكان ؛ أن لله في كل افتراق خير ؛ وفي كل اختيار بمفترق طرق :جمال الله ..أن الحياة لا تتجملُ ولن نراها بمنظور آخر إذا ما حاولنا رتق الفتق بملامح البؤس …
ما علينا سوى أن نمضي محملين بهذا القلب الذي يُضمد دون أن يمنح للقيح أن يتسرب إلى نفسه الطاهرة ؛ أن نمضي مسترشدين بأدبيات الترك التي خلفها الحبيب صلى الله عليه وسلم ومن تبعه ؛ أن ننظر إلى هؤلاء البسطاء الذين لم تأتِ عليهم عاصفة إلا واجهوها بمكارم الأخلاق ؛ أن نتكلّم في تمام اللحظات الأخيرة ما يحفظ للقاء الأول كرامته وللعناق الأخير نكهة الرضى .. أن نفزع إلى ما تبقى من إنسانيتنا ونغالب بؤرة الشر فيها ؛ محاولين أن نكون خفافاً على هذه الأرض ؛ مانحين لمن حولنا السلام ..أن نُدرك مغزى الترك في تجلياته الكبرى الذي يعني بالضرورة معانٍ لحياة أخرى جديدة … ذلك الفراق الذي يجب أن يتمتّع بحمولة جمالية أكثر دون أن نلجأ إلى التحايل على الظروف وعقدة الضحية ؛ لأنه أولا وأخيراً حياة جميلة يمكنها أن تبدأ بعد النهاية