أن تعيش في لائحة الإنتظار

0 1٬234

- الإعلانات -

أن تعيش في لائحة الإنتظار بدون أن تعرف متى سينتهي هذا الإرتقاب المؤرق ولما ستؤول إليه الأمور. هكذا يعيش اللاجئ في المخيمات … بلا وطن … بلا مأوى … بلا عائلة … بلا مستقبل.
ربما مرت عليكم أسابيع طويلة كان إسمكم خلالها مسجلا في لائحة إنتظار الولوج إلى كلية مرموقة أو مهنة مطلوبة؛ جربت شخصيا هذا الشعور المؤلم عندما كنت أودّ الدخول لكلية الطب ولَم يسمح لي بذلك، لأن معدلي كان أقل من المطلوب فبقيت قرابة الشهرين عالقا في مفترق الطرق، غير قادر أن آخذ قرار بخصوص مستقبلي لأن القرار لم يكن بيدي، حائرا بين السفر إلى الخارج لولوج شعبة لا أحبها أو التسجيل في مدرسة عليا ريثما أَجِد حلا يناسب تطلعاتي : إعادة امتحان الباكالوريا، دراسة الطب في دولة أخرى السنة المقبلة مثلا ! كان هذا أسوأ انتظار عشته إلى حد الآن ولو كنت آمنا في وطني، معافى في بدني، لي قوت يومي، بين عائلتي ولا ينقصني أي خير، ولو أني كنت أعلم أن لهذا الإنتظار نهاية لأنه بعد شهرين أو ثلاث على الأكثر سأعلم هل تم قبولي في كلية الطب أم لا ؟





فكيف بالذي ينتظر مصير مستقبله كاملا ومصير بلده وعائلته في قاعة انتظار كبيرة على أرض جيرانه، انتظار إلى أجل غير مسمى؛ انتظار أن تتفق القوى العظمى وأن يتفق العرب وأن تتفق الطوائف وأن تتفق شركات الغاز والبترول وإعادة الإعمار. كيف بالذي يشاهد بلاده تحترق أمام عينيه ويتلقى أخبار وفاة أفراد عائلته الواحد تلو الآخر ويرى أولاده يكبرون قسريا علَى الشك والخوف والترقب والشعور بالنقص وعدم المساواة؛ بماذا سيبرر لهم هذه الحياة على الحدود وكيف ستكون نفسيتهم كين يصبحون أطفالا يتوقون لكي يعيشوا كباقي أطفال العالم

لغرض تحسين ظروف حياة اللاجئين السوريين في تركيا والتخفيف من معاناتهم والتعريف بقضيتهم وتقديم العون الطبي لهم، أردت المشاركة في مبادرة “مع الإنسان” التي تنظمها الهيئة العالمية للإغاثة والتنمية عبر مجموعة من الأنشطة والمشاريع التي يقوم بها المشاركون في مختلف التخصصات ومن مختلف الدول العربية.

- الإعلانات -

- الإعلانات -

مقالات مرتبطة

خلقت لتكوني أسعد

الخوف

وصولي إلى مطار هاتاي ثم إلى مدينة الريحانية التركية الحدودية أحيى في نفسي تلك المشاهد والذكريات التي عشتها لخمس سنوات مضت عندما مررت من هنا بالضبط سنة ٢٠١٢ لكي أدخل إلى سوريا ضمن وفد طبي جراحي مغربي ومساعدة هذا الشعب الصبور في بلدة الدانا القريبة من حلب.

القرية التي سنقيم فيها أنشطتنا إسمها تيزايا وتضم لوحدها ٦٥ عائلة سورية وهي قريبة جدا من الريحانية و هي من المدن الحدودية التركية التي ينزح إليها اللاجئون السوريين؛ يبلغ عدد سكانها مائتي ألف إذا احتسبنا المائة وعشرون ألف لاجئ سوري. المشكلة التي تواجه تركيا بعد اندلاع الثورة السورية هي أن نسبة كبيرة من سكان منطقة الحدود هم من الطائفة العلوية الموالية لنظام الأسد، وهم ينتفضون في كل مرة تسجل فيها الحكومة التركية موقفا لصالح الشعب السوري. تركيا هي البلد الوحيد الذي يسمح بمرور المساعدات و الإمدادات إلى الداخل وهي المساند الفعلي الأوحد لجارتها.

بطل قرية تيزايا بدون منازع اسمه عبد الحليم، طفل عمره ١٠ سنوات في غاية الوسامة والبهجة، لاجئ سوري نجا من تحت الأنقاض بأعجوبة. أصيبت والدته بشظايا أقعدتها طريحة الفراش … فقد بيته … فقد أبوه … فقد رجليه كذلك … ولكنه لم يفقد إبتسامته التي لا ترافق محياه والتي ترد الأمل كل الأمل لكل أطفال اللاجئين هنا في هذه الضيعة. عبد الحليم ذكرني بلاجئة في مخيم أطمة إسمها إيمان كنّا قد مررنا عليها سنة ٢٠١٢، كانت أول من استقبلتا أول يوم … إيمان … أتذكر شعرها الأشقر الحريري القصير الذي بالكاد يغطي عينيها العسليتين … من أجمل أطفال العالم … أسألها عن اسمها و سنها و مدينتها فتحمر وجنتاها و تجيب بصوت خافت … استقر حال هذه المسكينة في ذاك المخيم الحدودي … رأيتها حافية … تزين يدها بخاتم من حديد صنعته في المخيم … كانت تلبس بذلة نوم زرقاء رثة … أتذكر كيف تبعتنا أثناء عبورنا المخيم و كأنها تريد أن تقول لنا شيئا … لم يكن هناك داع لأن تتكلم … لسان حالها كان يقول بأنها تعاني الفقر و الخوف و الوسخ و نقص الغذاء و الغطاء و الدواء.




مخيم إيمان لم يكن يختلف كثيرا عن مخيم عبد الحليم : عائلات تعيش كالمتشردين في خيام بالية، الأطفال يلعبون بالرمل والحجر وهم حفاة الأقدام، بعضهم يغني “لما بنستشهد بنروح الجنة”، الأطفال الأكبر سنا يغسلون الثياب البالية و يعينون ذويهم. لا يوجد الكثير من الشباب في المخيم لأنهم يقاتلون بالداخل لإسترجاع حقوقهم وأرضهم. الكثير من الناس هنا قالوا لنا بأنهم فقدوا كل ممتلكاتهم وكل ما بنوه وحققوه ماديا طوال حياتهم بين ليلة وضحاها. هناك ممن يعيش في الخيام من عاش طول حياته غنيا… مخيم اللاجئين يشبه أحياء الصفيح، مع استبدال الصفيح بالخيام … الإستبداد الإقتصادي ينتج أحياء الصفيح والإستبداد العسكري ينتج مخيمات الاجئين.

الوضعية الصحية في المخيمات مزرية وتحتاج لرعاية طبية دقيقة، شخصت خلال اليومين الماضيين العديد من الأمراض في مختلف التخصصات التي تحتاج لتحاليل طبية وكشف بالأشعة وعمليات جراحية … المستشفى التركي القريب من المخيمات لا يستطيع أن يستوعب هذا الكم الهائل من اللاجئين (أكثر من ٣ ملايين لاجئ سوري في تركيا) مما يضع الجمعيات والمنظمات العربية والإسلامية والدولية أمام ضرورة التدخل السريع قبل أن يتفاقم الوضع الصحي في المخيمات أكثر مما هو عليه الآن.



- الإعلانات -