أنا لست علاماتي

0 998

بينما كنت أرتب بعض الأوراق و الملفات القديمة وقع بين يدي ملف كنت أحتفظ فيه بنتائجي المدرسية التي كنت و لعهد قريب أتفحصها بعناية شديدة و بفخر شديد, فأتذكر معها صعوبة البدايات و تعثرات الطريق و سند الأهل و الصديق و الليالي الطويلة و فرحة الإنجاز.
كلنا يعرف أن نظامنا التعليمي يقوم على مبدأ توفير كل ما يلزم الطالب من مقررات و دفاتر و منهجية تعليم تورث لدى الطالب نوعا من التواكل و مهارة كبيرة في التلقي و الحفظ يتوجب عليه إظهارها في أبهى حللها عند حل أجوبة الامتحان فيصبح النجاح في عقل الطالب مرتبطا بدرجة, ليس ذلك فقط بل يقزم معنى النجاح في مخيلته ليتمحور حول علامة جيدة في فترة الدراسة.و غالبا ما لا يكون هناك استحضار لفكرة أن هذه المرحلة حساسة جدا و محورية في اكتشاف الذات, و انها الوقت الأنسب لخوض التجارب و النهل من بحر العلوم التي تتجاوز بكثير تلك المقررة مسبقا في المناهج المفروضة.

مقالات مرتبطة

كتبت لأمي..

الطريق إلى كابول


قي هذه الفترة التي تجمع بين الشباب و الصحة و الوقت يجب أن يعي الطالب أنه و بعد تلقيه أساسيات و مفاتيح التعلم في المراحل الاولية, يجب أن يعي أن أمامه الكثير من العمل, فلا يكفي ان يبرأ ذمته بكونه حصل على نقط تخوله للمرور الى الصف القادم, ثم لا يلبث ينتظر الإجازات البينية أو الصيفية ليتفنن فن إهدار الوقت, ثم يكتفي بحصة توجيه او اثنين و تفكير لبعض الوقت ليقرر ما يناسبه من تخصص. مسألة التوجيه أعمق من ذلك, يجب أن تبدأ في وقت مبكر حتى يتسنى للشاب اكتشاف مواطن ابداعه و مكامن قدراته التي من المؤكد أنها تختلف عن الآخرين تماما كاختلاف بصمة العين و الأصابع.
و بالتالي فمن المفروض إيلاء عناية كبرى للموضوع لأن عواقبه يمكن أن تكون وخيمة جدا, يستشعرها من يجد نفسه بين سندان المسؤولية و مطرقة الوقت الذي يداهم وهو بين ذاك و ذاك يمضي أيامه في عمل لا يجد فيه نفسه و لا يستشعر فيه كينونته ثم يجد نفسه فيما بعد عاجزا عن الإبداع, عاجزا عن العطاء و عاجزا عن التقدم, كل ذلك ينقلب سلبية على حياته بشكل خاص و على القيمة المضافة التي ينتظره منه بلده و حضارته بشكل أوسع, فيكفينا مزيدا من الهشاشة في أهم عنصر في بناء الحضارة من بين العناصر الثلاث التي صنفها المفكر مالك بن نبي : الإنسان و التراب و الوقت, أو إن الأجدر بالقول أنه يكفينا مزيدا من الهشاشة في العناصر الثلاثة, غير أنه بالتأكيد على صلاح العنصر الأول وهو الإنسان نكون قد ساهمنا في حل أي من المشكلات التي يمكن الحديث عنها فيما بعد.




أحيانا يحرص الآباء أشد الحرص على متابعة أبنائهم و توفير جميع وسائل الراحة و الحياة الكريمة لأبنائهم و هذا أمر مهم جدا, لكن تكون الغفلة عن أمر أهم و هو أن ذلك الشاب و تلك الفتاة سيمضي الوقت و سيجد نفسه يوما ما أمام مسؤوليات كبيرة و أمام اختيارات مصيرية و هنا سيرجع إلى مخزون التجارب و المدارك التي حصلها طوال سنين طفولته و شبابه فإن هو استدار لينهل منها و لم يجد مخزونا كافيا يمكنه من مواجهة ما ينتظره غالبا ما تحدث له انتكاسات و تأنيب للذات و يمكن أن يصل الأمر إلى حالات من اليأس و الإحساس باللامعنى و ضياع الرصيد و ضياع الوجهة و انعدام حس المسؤولية الذي لم يتعرف عليه من قبل, و هنا يستوجب على الآباء و المربين مراجعة تعريفهم للتربية السليمة و الحب و الرعاية التي يولونها لأبنائهم لأن من أعظم ثمرات التربية, أن تثمر كيانا متكاملا ذو شخصية تتمتع بنوع من الاستقلال, بشخصية واضحة الملامح, بشخصية مسؤولة تستطيع أن تقرر و تواجه و “تحيا”.فنكون إذا بين المنظومة التعليمية و طريقة التربية الحديثة أمام أعداد كبيرة من الشباب الذي يعاني من فقدان البوصلة و حتى و إن كانت بين أيديهم فهم لا يتوفرون على دليل الاستعمال.


أصبحت مسألة اكتشاف الذات و معرفة نقاط الضعف و نقاط القوة , اكتشاف أسباب السعادة , البحث عن الشغف و كيفية اختيار العمل المناسب ,كلمات يرددها الكثير من المهتمين بدورات التنمية البشرية, و لأن الموضوع يهم الكثيرين أصبح التوافد عليها منقطع النظير. لكن السؤال هو كيف لدورة تدريبية تدوم بضع ساعات أن تساعد على الإجابة عن كل هاته الأسئلة المحورية, الأمر أعمق من ذلك و يتطلب جهدا ووقتا و تجارب حياتية و فشلا تارة و نجاحا تارة أخرى.
يقول نبي الرحمة عليه الصلاة و السلام: “كلكم راع و كلكم مسؤول عن رعيته”,غالبا ما نذكر هذا الحديث فنستحضر شقه الثاني عند الحديث عن مسؤولية الأب, الأم, الحاكم, المعلم, رب العمل…لكن هناك شقا مهما في الحديث وجب الوقوف عنده “…كلكم راع”, الفكرة هو أنه قبل تحمل أيه مسؤولية هناك قاعدة أساسية وهي أن يكون كل منا راعيا لنفسه أولا,بما في ذلك الرعاية الروحية و الجسدية و المعرفية و التعاملية و هذا أساس نجاح كل شخص قبل تحمل مسؤولية الغير, بما معناه أن يجب أن يتعلم تحمل مسؤولية نفسه قبل أن يغامر و يتحمل مسؤولية الآخرين, و هذه مسألة مهمة يجب غرسها في نشئنا. الحياة أكبر من مجرد علامات يقيم بها بشكل غير منصف ذكاء و قدرات كل منا, بل هي رحلة ممتدة لسبر أغوار النفس و طريق علم لا ينقضي بانقضاء سنوات في صفوف المدارس, و مجاهدة مستمرة لمعرفة نفوسنا و إصلاحها لنكون فاعلين حتى إذا ما تحملنا مسؤولية كيفما كان نوعها اجتماعية, علمية أو عملية نكون قد بنينا الداخل بما يكفي لنتم القيادة في سفر الحياة, وقد قيل أن الحياة أوسع من مساحة ورق تعلق على الحائط, لا تعطي صاحبها صك براءة بالصلاح و أهلية المعاش أو حسن التعامل.




و باستحضارنا لكل تلك المعاني, يجدر بنا استحضار أن كما أن لكل منا بصمته و طريقه و أهدافه و تطلعاته و آماله فلكل منا مساره, لا توجد قاعدة أو وصفة سحرية قابلة للأن يتم تنزيلها على المئات فقط لأن هذا هو المتعارف عليه. من الهم جدا اطلاعنا على تجارب الآخرين و نجاحاتهم و استلهام بعض النقاط الإيجابية ,لكن الأهم هو ذلك العمل و المجاهدة الداخلية المستمرة لرسم المسار الخاص بكل منا فكل يعمل على شاكلته, لكل نفس بشرية سمات نفسية و جسدية خاصة تميزها عن غيرها و ماض و تجارب تجعلها مختلفة كل الاختلاف عن غيرها فكيف يفرض عليها ما يناسب غيرها و ما يخالف كل شيء فيها, النتيجة متوقعة كمن يضع سمكة في صحراء قاحلة.
نحن لسنا علاماتنا التي نحصل عليها, تقييمنا لأنفسنا مسيرة عمر و طريق العلم أشمل و أوسع مما جربنا.. بحثنا عن الشغف استثمار و ليس ضياعا للوقت..و تقرير الوجهة عمل داخلي عميق و بناء يتطلب الكثير من الصبر و يحتمل الصواب و الخطأ..لكن المهم أن يبدأ ذلك العمل…