استخلاف أم استخفاف

0 744

و إذ قال ربك إني جاعل في اﻷرض خليفة قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ونحن البقرة اﻵية 30″نسبح بحمدك ونقدس لك قال إني أعلم ما لا تعلمون.

قبل أن نعرج على هاته الحياة وقبل أن تأتي الخليقة بما هي عليه اﻵن، كان هذا هو الفيصل ونجح أبونا آدم بماذا بالعلم نعم بالعلم “وعلم آدم اﻷسماء كلها”.

فماذا عن بني آدم هل نجحوا في الخلافة،هل حقت فينا خشية الملائكة أ أفسدنا فيها وفسكنا الدماء…؟ أسئلة تخدش الفؤاذ ربما لمعرفتنا المسبقة بالجواب فما يبدو من المرء إلا اﻹطراق إن كانت لا تزال ومضة ضمير به حية.
في زمن أصبح يسيرا أن ترى عمار اﻷرض المفترضين ما يصنعون و فيما هم خائضون،يكفيك أن تضغط زر..وهوووب مرحبا بك في جولة من سوريا إلى ليبيا ثم العراق ثم تعال لنحلق في سماء قرطاج أو ابني لك صرحا في صحراء الفراعنة أو دعك من هذا وذاك و عرج على اﻷطلس…
من يفسد فيها و يسفك الدماء.؟




هم نفسهم عمار اﻷرض على ما يبدو.
في حين أمسى عسيرا علينا حتى استشفاف مفهوم اﻹستخلاف و استيعابه بجوهريته بل ووصل بنا الاستخفاف الى أن قزمنا هذا المفهوم أكثر من اﻷقزام السبعة التي عهدناها في الصغر بل و لولبناه ، و اﻷدهى من ذالك دفناه في قالب خسيس دنيء اسمه السياسة، وفهمها السياسي الفطن على أنها خلافة في العرش حتى يوم يبعثون و منهم من أورثها بنيه و هو حي يرزق،و على النقيض فهمته الشعوب على أنه سمع و طاعة فذاك قضاء و قدر.
كلا! هكذا استخلاف بريء منا براءة الذئب من دم يوسف فكل شبر على هاته اﻷرض يحكي الويلات و يشهد على فساد اقترفناه فضاقت بنا اﻷرض بما رحبت و مضينا نبحث عن عولمة هذا الفساد بمفاهيم جديدة أكثر تقدما تمر تحت لواء الحرية. ولولا ذاك المعدن النبيل ووخزة الضمير الذي يستيقظ في البعض منا تارة و أخرى لخسفت بنا اﻷرض

فماذا بعد التشخيص؟

لماذا لا نجرب ثانية بالعلم و نبدأ بفهم اﻹستخلاف ماهيته غايته و السبل ﻹنجاحه، المسألة ليست بالتعقيد الذي يبدو هي فقط بوصلة الفكر التي وجب تصويبها نحو الوعي وزر من أزرار اﻹرادة ينتظر التفعيل.

بعد هذا اﻹسهاب في الحديث عن اﻹستخفاف فلنعرج في محاولة بسيطة لفهم اﻹستخلاف عساها تقربنا من الواقع،اﻹستخلاف بعيدا عن عن التعريفات اللفظية و اﻹصطلاحية الوفيرة هناك تعريف لا جدال فيه و لا مراء فما هو؟ ببساطة هو عكس ما خشيته منا الملائكة أن نفسد في اﻷرض و نسفك الدماء،هكذا لتصبح القاعدة الهرمية “اﻹصلاح و حفظ الدماء”.
بسيطة العبارة لكن العمل لقمم اﻷهرام لا ييدأ إلا بقاعدة ثم أخرى الى أن نصل بالقواعد و الركائز.

طبعا الإستخلاف مفهوم شامل ارتأيت أن أجمله حسب فهمي في بنود عريضة تنبثق منها مواثيق مؤطرة لﻷخلاق و السلوكات الفردية منها و الجماعية ونمط العيش الفردي و الجماعي كذالك.




القاعدة اﻷولى : إصلاح الذات فعلى إعتبار أننا عنار اﻷرض فقبل المضي في إصلاحها وجب أن نتحلى بالسلوكات و الطبائع المخولة لذالك فكيف يصلح الفاسد،إن صلاحنا يبدأ باﻹيمان بجوهرية اﻷشياء و نبذ العبثية وجوهر الحياة أن نؤمن بأننا لسنا سوى عابري سبيل في هاتف الدنيا ولكل منا بطاقة مشحونة كتب عليها مستخلف و يوما ما سينتهي الشحن و في هذا يقول شوقي ::
دقات قلب المرء قائلة له إن الحياة دقائق و ثواني”
إذن بداية المشوار مشوار إصلاح الذات باﻹيمان هذا اﻹيمان سيكون توطئة لقاعدة أخرى لا تقل أهمية

القاعدة الثانية: العلم “وعلم آدم اﻷسماء كلها””
قد يبدأ أو من اﻷكيد أن إصلاح الذات يبدأ بسلوكات فطرية متجذرة فينا على سبيل المثال رمي اﻷربال في الشارع فالفطرة السليمة توحي لصاحبها أن ذالك إستخفاف و سلوك مشين لكن يأبى إلى كتمان ذاك الصوت حتى يتوافق الفكر مع السلوك وتحصل حالة الرضى.لكن الفطرة السليمة وحدها لا تكفي يلزمها أيقونة تغذيها هي العلم فالبعلم ميزنا الله وجعل لنا عقلا يتدبر و به كرمنا البارئ عن باقي الكائنات.
بداية العلم و المعرفة مما بدأ به الوحي وبه نزل “إقرأ” لكن وياللهون أمة إقرأ في إجازة طويلة أو لربما مفتوحة عن إقرأ.و القصد هنا بالقراءة شمولية الفعل أي قراءة التاريخ و الفكر اﻹسلامي و الفلسفة الى غير ذالك من العلوم التي كانت تقود الحضارة اﻹسلامية إبان ازدهارها فكثير منا غاب عن إقرأ وغاب عن قاموسه أفعال وأقوال اﻷنبياء و الرسل و الصحابة ومن من يكون ابن خلدون ابن سينا والرازي و غيرهم…
و كما علمونا في الصغر ” العلم نور و الجهل عار” لكن ماذا بعد العلم؟

” العلم مشعل إن أوقدناه و مشينا تحت نوره فتح لنا باب العمل”




.
القاعدة اﻷخرى العمل و التطبيق “وقل إعملوا” .
لكم كتب كاتب ونصح الوعاظ وخط العلماء وتغنى الشعراء وضرب اﻵباء فما الحصيلة بعد ذاك؟ فالنفس في هوى للمماطلة و التسويف وكم من شاب إنتهت حياته بالتأجيل.اﻷمر يأتي بعد اطلاق العنان لصوت الفطرة و البحث و العلم العمل والعمل بما تم تحصيله تماما كباقي اﻷمور الدنيوية نتمدرس لنعيش حياة أرقى بما تعلمناه و مافائدة العلم بدون عمل.و لﻷمور الدنيوية نكد ونجتهد فنأخد حصصنا كل حسب نهمه وشهيته للعمل،هي مرة أخرى كما علمونا في الصغر” من جد وجد ومن زرع حصد”.
ومن سمات المستخلف الحي العمل وهو مايميزه عن المستخلف الميت أو الراكد كالمياه العدمة لا عيش للقيم فيه وهو بذالك أقرب لﻹستخاف منه لﻹستخلاف..

قبل أن أخط هاته الكلمات في هذا المقال ساءلت نفسي كثيرا حول القيم و المبادئ التي تجعلنا بعين الحق و اﻹستحقاق خلفاء في اﻷرض فوجدت لها قاسما مشتركا في كل حين أقصد هنا مرة ثانية القيم و الطبائع القاسم هو سلسلة متكاملة اسمها اﻹصلاح بالعمل.

الفرق بات جليا و الخارطة واضحة وعلى كل منا أن يحدد موقعه بين استخلاف واستخفاف