في انتظار عودة الحضارة..

0 416

كثيرا ما نتساءل عن سبب ازدهار الحضارة الإسلامية قديما -العصر الأندلُسي أنموذجا- وتخلف الأمة نفسِها حديثا، ولا أرى لذلك سببا إلا في قلة وعينا بآليات المعرفة العلمية والبحث العلمي الرصين، الَّذيْنِ لطالما تميزت بهما الحضارة الإسلامية، وفي مقدمتهما القراءة باعتبارها أهم مقومات الرقي بالمستوى المعرفي والمفاهيمي، حيث إنها وسيلة لتغذية العقل والروح معا؛ على مستوى كيفية التعامل مع الكتاب والقلم، واكتساب معلومات ومعارف جديدة، بالإضافة إلى بُعد المسافة بين العلم والتجربة والعمل، إذ نَلحظُ في وقتنا الحالي تَبِعات هذا الخلل المعرفي في كثير من المواقف، من أهمها: تأثير الوسط والسياق المجتمعي على طريقة تفكير أفراد المجتمع أطفالاً، وشباباُ، وشيوخاً، مع التغييب التّام لأساليب الوعي الحضاري للتقدم بالشعوب، ناهيك عن التوظيف السياسي لمجموعة من الأحداث قصد توجيه الرأي العام إلى منحًى واحدٍ من التفكير والتعبير والتدبير، لكن ما السبب في وصول الأمة إلى هذا المستوى من التجميد العقلي والفكري؟





لطالما تباهى بعضنا بالحضارة الإسلامية الغابرة وإنجازات المسلمين فيها، دون استقراء الأسباب التي جعلت ذكراها خالدة في أوساط المثقفين، فإذا ما تمت المقارنة بين الأوضاع الاجتماعية والثقافية للحضارة الأندلسية وبين عصرنا الراهن، لمسنا السلم والتعايش والتسامح الذي كان يتحلى به العلماء بعضهم مع بعضهم، على اعتبار أن الاعتقادات اختيارات شخصية تُقابَل بالاحترام، كما كان الجامع بينهم النقاشاتُ العلميةُ والفكريةُ، لأنهم على إدراك تام بأن المجتمع لن يتقدم إلا بالتآلف، من أجل التقدم العلمي، إذ ”كلما كان العلم كان الائتلاف وكلما كان الجهل كان الاختلاف”، والاختلاف هنا اختلاف الإبعاد والابتعاد، أما الاختلافات المرتبطة بطبائع الناس وأفكارهم ومذاهبهم وانتماءاتهم فهي استثنائية، ولا تصل إلى مرتبة جعلها ميزانا للقياس الفكري والمعرفي.


كذلك الشأن بالنسبة للتكامل المعرفي الذي أحدثه العلماء على مر العصور بين مختلف العلوم الإنسانية الدينية والفنية منها والتجريبية، لأن العلوم مهما اختلفت مجالاتها، وطرق تحصيلها فهي تمثل ثقافة فكرية إنسانية محضة، لا مجال لتفضيل أحدها عن الآخر، لأن ضابط المعرفة يتمثل في الجمع بين المجالات العلمية جمعا تكامليا منهجيا يرقى بحياة الإنسان على المستويين النفسي والفكري.
لكننا لا نلحظ لها أثرا في العصر الحالي، وفي الدول العربية الإسلامية خاصة، إلا في الدول الأوروبية لأنهم استفادوا من التراث الذي خلفته الحضارة أيّما استفادة، كون تِلْكُم القيم السالفةُ الذّكرِ هي معيار قياس نجاح التقدم العلمي والأخلاقي، دون الاستسلام إلى الفُرقة التي يمكن أن تحدثها مختلف المسارات المعرفية.




فالمعيار المُعتمد في إرساء القواعد العلمية والمعرفية متمثل بشكل أساس في مدى إسهامها في الازدهار العلمي دون إخضاعها لأي مؤثرات أخرى تتعلق بشخص مؤسسها أو بأصله أو بأفكاره، وهو عينُ ما نحتاجه من أجل العودة إلى أصولنا المنهجية والفكرية والمعرفية دون الوقوع في شباك التفرقة والإقصاء المؤديين للجهل والعنف الذي نراه الآن في مختلف أراضينا العربية.