خواطر امراة

0 1٬837

تأملتني بنظرات ملؤها الغضب قبل أن تقول بصوت تخنقه الدموع :”لا تتأملي كثيرا فلن تكوني يوما مستقلة حتى و إن أفنيت عمرك في القتال، فلا استقلالك المادي ولا نجاحك في عملك سيكفي لأن تنالي حريتك، فمنذ ولادتك و أنت تحملين ذلك الوشم العجيب الذي يحكم باستحالة استقلالك، فأنت ولدت أنثى في مجتمع يُقدس الرجال، مجتمع يغفر للرجال و يجلد النساء و لو كان بيده لباعهن في أسواق النخاسة كما كان يُفعل بهن من قبل أو لوأدهن و خنق أنفاسهن حتى يرتاح من صرخاتهن المنادية بالحرية، حرية يجهلنها و يجهلن حدودها و عواقبها. و بإصرارهن المعهود لم يجد الرجل بُدًّا من منحهن حرية صاغها على مزاجه و حدّد بُنودها كما يحلو له و على الطريقة التي ستخدم مصلحته. فكانت الحرية التي حصلن عليها قاتلة و مُؤذية جداً و ليس هذا بالأمر الغريب، فالرجل لا يُفلح في شيء و ليس بارعا في شيء ما بقدر ما يُفلح و يبرع في إيذاء من خُلقت من ضلعه.”

صمتت للحظات قبل أن تُكمل كلامها المشحون بالغضب و السخط :”و على كل حال، فأنت أوفر حظاً من كثيرات، فإن هناك من تُقتل ظلماً أو اضطهادا أو اغتصابا أو لأي سبب آخر قد لا يخطر ببالك أبداً، كما أن غيرك لا يحق لها لا التعلم و لا العمل و لا حتى مغادرة البيت إلا أن تكون جثة هامدة، و هناك من تُقاتل من أجل أن تقود سيارة لأن القيادة محرمة على النساء و لا تسأليني لماذا فأنا أجهل السبب، ما أعلمه بيقين هو أنه في كل بقعة من بقاع الدنيا هناك امرأة تُعاني في صمت، هناك من تُجاهد باستمرار من أجل رفع الظلم عنها و فرض وجودها و هناك من لا تملك لنفسها إلا صبراً و دموعا غزيرة تذرفها خفية من الناس في الظلام فلا يحق لها حتى أن تبكي في سلام! لذا صلي و اشكري ربك على حظك الجميل. و إذا كنت تحلمين بالمشي في سلام فوق رمال البحر عند الشروق و أنت حافية القدمين فغيرك لا يحلم إلا بحقه في الحياة”

قاطعتها : ما جدوى حياة ليست كالحياة؟!

قالت : غيرك لا يعرف أن هناك حياة و حياة ليست كالحياة، غيرك يُقاتل من أجل الحياة و لا يهمه كيف هي هذه الحياة!

مقالات مرتبطة

اختيار ناضج

تعلم أن تقول لا!

أجبتها بتأسف : أعرف ذلك و ما عدت أحلم بشيء، حتى المشي في الطريق وحيدة بدون مُضايقات ما عاد يُغريني، فصرت أُفضل أن اعتكف مع نفسي بين أربعة جدران عوض أن أمشي معها في الطريق و أعين الناس تجلدني و كأني أرتكب جرما!

قالت : و عليك أن تختاري يا صغيرتي بين الخضوع لنفسك أو للناس، فإن أردت سعادتك دعي كلامهم جانبا و لا تُعيري اهتماما لنظراتهم فهم سيتكلمون أكثر إن فعلت ما عجزت كثيرات قبلك عن فعله. و إن اخترت الاستسلام فستقضين كل أيام عمرك في الانتظار…انتظار رجل يحمل معه صك حريتك كما يعتقد البعض، و هو وحده يحمل مفتاح سعادتك و حينها فقط ستمشين حافية فوق الرمال – إن سمح لك هو بالطبع – قبل الشروق أو بعد المغيب و ستركضين تحت المطر و لن ينظر إليك أحد نظرة انتقاص ففي مخيلتهم يرون أنك قد اكتملت و ستصدقين أنت كل ما يعتقدون، ستعتقدين أن هذا الرجل فارس انتشلك من الجحيم و حملك للنعيم دون أن يخطر ببالك يوما أنك أنت من صنع له النعيم و هو و بنو جنسه صنعوا لك ذاك الجحيم…لذلك اختاري بين التمتع بحياتك الآن أو تأجيلها إلى أجل غير مسمى. و ليس هذا فقط فالويل لك إن لم يأت هذا الفارس المزعوم فحتى و إن كنت أنت في غنى عنه فهم يرون أنك تعيسة و قد يتمادون و يحكمون على حياتك بالشقاء لأنك ستظلين وحيدة حتى و إن كانت هذه الوحدة هي أغلى أُمنياتك أنت.
صمتت و طال صمتها، حتى شعرت بالانزعاج ثم قالت بحماس من وجد ضالته بعد بحث طويل: لا تُعيري اهتماما لكلامي فأنا امرأة أتعبتها قسوة الرجال و أنهكها خضوع النساء

ابتسمتُ : هذا ما لاحظته، ما كنت أدري أنك مناضلة من أجل حرية المرأة

عارضتني قائلة : لا أُمت لذلك بصلة. ثم إني نصحتك أن لا تُعيري اهتماما لكلامي فالمشكلة أعوص من أن يكون لها حلا…كوني سعيدة و لا تُعيري اهتماما لا لنساء الأرض و لا لرجالها، ففي نهاية المطاف وحدك ستُحاسبين على ما تفعلينه بحياتك.

نهضت حملت معطفها و هاتفها، و همت بالمغادرة، طلبتُ منها البقاء رفضت بلباقتها المعتادة، تفهمتها فنقاشنا أيقظ ذكريات معانتها الدفينة… مضت لحال سبيلها و بقيتُ جالسة في مكاني أجتر كلماتها و ما تُخفيه في طياتها من حقيقة قاسية، رثوتُ لحالي و لحال كل نساء الدنيا اللاتي رغم معاناتهن و ألمهن و قوتهن في تحدي ظلم و تسلط معظم الرجال إلا أنهن، للأسف، فشلن كأمهات في تربية رجال يحترمون المرأة و يُقدرون مكانتها في المجتمع …