الذين قست قلوبهم

0 896

تبلد الإحساس يعني عدم التأثر وفي علم النفس هي حالة مرضية تتسم بغياب الشعور والانفعال حيث يبدأ الإنسان بالتصرف بشيء من عدم الاكتراث واللامبالاة، وعادة ما يكون هذا الإحساس نتيجة فشل الإنسان في حل المشاكل التي يتعثر بها فيتجه إلى الاستسلام والرضوخ للواقع فيرفض مواجهة مشاكله وصعوبات الحياة، إذ يفقد الرغبة في بذل أي مجهود لحل أو حتى فهم المشكلة، فيصاب بحالة من التبلد وعدم الاهتمام فلا يبدي أي ردة فعل. لكن هذا التبلد لا يتعلق فقط بالحياة الخاصة بالشخص بل حتى بعلاقته بالشأن السياسي أو بالأحداث التي تهم العالم.




عاش العالم وعشنا معه حروبا ونكسات ونكبات، نالت القضية الفلسطينية حقها من المشاعر والتفاعل في وقت مضى، فكان لشهيد الانتفاضة الثانية محمد الدرة النصيب الأكبر، حيث اهتز العالم لاستشهاد الدرة وهو يحتمي في أحضان والده، انتشر مقطع الفيديو آنذاك وانتفض العالم بأسره لاستشهاده، استطاع المشهد أو المقطع القصير أن يختصر كل ما يعانيه الشعب الفلسطيني وكل ما تقوم به اسرائيل من انتهاكات لحقوق الإنسان، لقد كان الصرخة التي أيقظت العالم من صحوته وذكرته بأن هناك أرض وشعب تمارس عليهما أبشع الجرائم، فانتفض العالم وثار، وكرد فعل قام العرب بإطلاق حملات لمقاطعة بعض المنتوجات الإسرائيلية والأمريكية وكل المنتوجات التي من شأنها أن تدعم الاحتلال وارتفع صوت المنابر في المساجد بالدعاء على الكفار واليهود بالهلاك والعذاب.

بعد أن هدأت الأوضاع نسبيا في فلسطين، اندلعت حروب في مناطق أخرى وتوالت، وتحولت الأنظار فجأة إلى العراق، ثم نال حظه من التعاطف عبر ما يفلح فيه العرب دائما و هو الغناء، وكان أوبريت الحلم العربي خير دليل على التضامن والتعاطف الذي قدمه العرب لكل من فلسطين والعراق وغيرهما، كمحاولة منهم لإعادة إحياء الضمير العربي الذي كان قد راح في سبات عميق وما من شيء قادر على بعثه إلى الحياة من جديد.
ثم ظهرت داعش وأخذت حيزا من الاهتمام الإعلامي ونجحت في بث الرعب في النفوس، وانتشرت مقاطع فيديو لهم وهم يقطعون الرؤوس ويحرقون الناس أحياء، وعلى ذلك مثال الطيار معاذ الكساسبة الذي كسب تعاطف العالم، لكن سرعان ما أصبحت عمليات الحرق والإعدام وقطع الرؤوس أمرا عاديا ننام ونصحو عليه. وهنا يظهر الدور الذي يلعبه الإعلام في شد انتباه الناس وإثارة اهتمامهم وزعزعة مشاعرهم حيث يسلط الضوء على قضية ما أو حدث معين فيصبح حديث الساعة ثم بعد ذلك ينتقل الضوء إلى حدث أخر فيرمي الأول في سلة المهملات ويصبح في طي النسيان.




العالم اليوم يعيش مرحلة جد صعبة من المحيط إلى الخليج، حروب اليمن وسوريا والعراق وأزمات سياسية في تونس ولبنان وصراع مصر مع طاعون الإرهاب، والقضية الفلسطينية التي تعاني في صمت من بطش الاحتلال الإسرائيلي والصراعات الطائفية ومعضلة الصومال.. لكن كل هذا بات اليوم عاديا لا يثير غضب أو قلق الناس سوى المعنيين بالأمر أو من هم أمام المدفع.

مقالات مرتبطة

أين نحن من قول رسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم: “مَثَلُ الْمُؤْمِنِينَ فِي تَوَادِّهِمْ وَتَرَاحُمِهِمْ وَتَعَاطُفِهِمْ مَثَلُ الْجَسَدِ إِذَا اشْتَكَى مِنْهُ عُضْوٌ تَدَاعَى لَهُ سَائِرُ الْجَسَدِ بِالسَّهَرِ وَالْحُمَّى”. لكن القضية هنا ليست قضية إعلام أو تضليل إعلامي بل هناك قضية أخرى وهي الموضوع الرئيس وهو مشاعر الناس، فالأحداث الدموية لا تنتهي والأخبار ما زالت تصل إلينا بشكل أو بآخر مع تعدد المنصات والوسائل الإخبارية، المشكلة في طريقة استقبالنا للخبر وتفاعلنا معه، فقد أصبح اليوم من العادي الاستيقاظ على خبر سقوط قتلى في عملية إرهابية أو جراء سقوط قذيفة أو ارتقاء شهيد أمام المسجد الأقصى..
لقد أصبح بمقدورنا اليوم تناول الطعام والتهام صحون البطاطس المقلية أمام نشرات الأخبار وهي تبث عملية انتشال طفل من تحت الأنقاض دون أن تبدو على ملامحنا اية مشاعر تأثر وإذا حدث وأن تحركت مشاعرنا فإن مدة التـأثر تكون قصيرة جدا ومحدودة، بل أن هناك من يتابع الأخبار بدافع الفضول لا أكثر او بدافع البعث في النفس الشعور والإحساس بالأمان والارتياح لأنه ليس ضمن الضحايا.

لا نعرف ما إذا كان هذا التبلد هو مرض نفسي ناتج عن توالي الصدمات أم أن تكرار الأحداث والوقائع الدموية وتشابهها جعل القضايا الكبرى تبدو صغيرة، أم أننا فعلا قمنا بدفن الإنسانية إلى الأبد، فالشعور باللاشيء وغياب الإحساس بالغضب أو الحزن وعدم الإعراب عن القلق هو أمر مقلق فعلا، لأن ما يحدث في العالم اليوم لا يبشر بالخير والموت قادم لا محالة وخبر انتشالنا من تحت الأنقاض هو خبر مؤجل فقط، تماما كما هو حال مشاعرنا.. المؤجلة.