فيتيشية الحاكم والمحكوم

0 524

الفيتيشية (Fétichisme) أو انحراف التعلق الشبقي بالأشياء، اضطراب يكون مصدر الإثارة فيه مرتبطا بالاهتمام ببعض الأشياء أو الأجزاء أو المتعلقات الخاصة بالآخر، كشعره، أو أصابعه، أو عطره، أو حذائه أو غيرها. نوعٌ من تركيز مجال الرغبة على عنصر معين وتضخيمه، على حساب العناصر الأخرى التي تدخل الهامش أو مجال الحياد النفسي.
ويصاحب هذا الانحراف في الأغلب: تمركز حول الذات ورغبة في إشباعها، وانبهار بموضوع مرغوب لم يُستوعب بشكل واع على طبيعته الكلية، فيتم اختزاله في موضوع جزئي.

والتعلق بالموضوع الجزئي سلوك طبيعي عند الطفل في أول نموه، فالثدي مثلا هو موضوع الإشباع قبل استيعاب الأم كحضور كلي.
وهو كذلك سلوك ملاحَظ في بعض الاضطرابات الأخرى كالتوحد، حيث لا يهتم المتوحد بالآخر إلا في شكل أجزاء خاصة (يد الآخر التي يستعان بها للفتح)، أو حين يتعلق بشيء خاص كموضوع للإشباع (لعبة معينة …).
لهذا تعتبر (الفيتيشية) في بعض أدبيات التحليل النفسي نكوصا (Régression)، أو توقفا عند مرحلة بدائية من مراحل النمو النفسي، يظل الشخص حبيسا فيها.





ولهذا الاضطراب طابع تعميمي (Caractère généralisateur)، إذ لا يقتصر نفسيا ووظيفيا على علاقة الفرد بالجنس الآخر، ولا على العلاقة الجنسية فقط، بل يتم تعميمه على الموضوعات الأخرى، فيؤثر في رؤية الفرد لمحيطه، وعمله، وهواياته، وآليات تفكيره وسلوكه، فيتعامل بالتالي مع كل موضوع كأجزاء منفكة لا يستطيع الوصول لكليتها، فيقتصر على التفاصيل البسيطة، فيضخمها نفسيا لتغدو موضوعا للإشباع.
وليس النموذج الفيتيشي خاصا بالفرد، بل يتعدّاه إلى الجماعة والتنظيم والهيئة، فنجد الإدارة الفيتيشية والمؤسسة الفيتيشية والدولة الفيتيشية، والأمر نفسه يسري على الأفكار والايديولوجيات وأنساق العمل وممارسات السلطة.
بين أحداث إحدى الأساطير الأجنبية القديمة، يقول الراوي في مقطع عابر، أن جنديا غير ذي عهد بالسلطة، استولى على الحكم في إحدى الولايات، وكان به طيش وعُجب، فاختار للوزارة شيخا قد ابيضّ شعر رأسه ولحيته، لما يوحي به منظره من حكمة وهيبة، فكان كلما حدث حادث، وأراد الشيخ أن يشير على الحاكم برأي، نهره هذا الأخير وصرخ في وجهه: “اصمت! فإني لم أُوَلِّك إلا لهذا البياض في شعرك ولحيتك، لا لتشير علي!”، فصار قولهم “هذا لبياض شيبك فقط” مثلا يضرب عند القوم، في من يُعهد له بالشيء في المظهر فقط.
هذه صورة اسطورية واضحة لممارسة سياسية فيتيشية، وكم في الحكايات والأساطير من عبر، فالجندي الحاكم متمركز حول ذاته، راغب في إشباعها بسلطته، فلا يستوعب ما فكرة الوزارة ولا دورها ولا ضرورتها، فهي بالنسبة له، ليست سوى موضوع اشباع اشتهائي لصورة السلطة، فيختزلها في صورة الشيب، ويصير كل شيب مقبولا في الوزارة مادام إشباع السلطة تاما به.
هكذا تصير المؤسسات والهيئات والحكومات في الدولة المستبدة مجرد أدوات فيتيشية لإشباع إثارة القائمين عليها.
ومثل الشخص الذي لا يثيره إلا شكل عيني المرأة، فلا يهمه أن تكون عجوزا أو حمقاء أو مضطربة، مادام إشباعه متعلقا بشكل عينيها، فكذلك لا يهتم المستبدون بشكل الحكومة ولا تركيبها ولا قدرتها على الفعل ولا استجابتها للطلب العام، بل يهتمون بالمقام الأول بهوسهم الشبقي في الاستمتاع بالسيطرة عليها.
فإذا كانت تشبع هذا الهوس، فهذا يكفي، وتدخل الأمور الأخرى في الهامش.
وكثيرا ما يكون هذا النمط من السلوك السلطوي “قهريا” وهرميا، حيث تخضع كل منظومة قائمة عليه لمنظومة أعلى منها، تسمح لها بالاستمرار ما دامت تشبع رغبة فيتيشية أخرى عند السلطة الأعلى.
ولكل منظومة حكم شعاراتٌ مؤسِّسة، تلعب دور العنوان الأساسي لطبيعة التدبير وأهدافه العامة، ورغم أنها تتأرجح بين الواقع والبروباغندا، إلا أنها تظل ذات محتوى تفسيري معين.

مقالات مرتبطة


هنا ترتفع شعارات الحداثة والتحديث، وحلم المعاصرة، ودولة الحق والقانون، وحمل مشعل الثقافة والتسامح (…)، ولكن، ولأن الفيتيشية المسيطرة هي ذات طابع شمولي، ولأن الفيتيشية في النهاية هي تعبير عن اللانضج في الوعي بالكليات الكاملة، وبالتالي يتم تعويضها بالجزئيات والخضوع لها، لكل هذا، فإن هذه الشعارات تغدو بدورها شعارات اختزالية، قاصرة، كابتة للتغيير، سطحية، استمنائية، ذات مضمون تخريبي أو غير ذات مضمون.
فبدل أن يُدرَك التقدم المطلوب في صيغته الكلية: العقائدية والتاريخية والثقافية والسياسية والاقتصادية، وسط تحديات العصر الراهن وإمكاناته وحدوده، يُختزل بشكل ساخر إلى صناعة سوق، يربح فيها الخاصة، وتنضبط فيها النخبة لمعايير الرابحين، وتتفرج فيها العامة وتصفق.
وبدل أن تُستثمر القوة، والثروة، والتعليم، والبحث، في صناعة التحديث المنشود، يتم توزيع صكوك الحداثة على الوافدين على المراقص، ومهرجانات الموسيقى والفنون، وندوات تغريب السلوك، وملتقيات علمنة الأحلام، وعولمة الأهداف، والتبشير برؤى فيتيشيي العصر الحديث.
هكذا تأتينا الحداثة جاهزةً دون تعب أو نصب، تبشر بها ميكروفونات المهرجانات الشهيرة، وتُكتب شعاراتها على أثداء الفنانات والراقصات العالميات، وترتفع أصداؤها على كل وسائل الإعلام الصادحة باسم المعاصرة!




ثم حين يقع واقع يشي بفشل المنظومة الموعودة، يصرّ المتكلمون باسمها على التعلق بالتفصيل الفيتيشي مرة أخرى وبعثه وتضخيمه، بدل فهم الاشكالات الكبرى، وتحليلها للوصول لصورة أوضح حول اختلال الوضع القائم.
ليس غريبا إذن أن يصير حل فسادٍ عام هو إزالة “فولار امرأة”، وهي وسيلة تفكير فيتيشية محضة ولو بشكل منعكس، فحين لا يملك المرء عن “التحرر” أي مفهوم كلي مستوعب للواقع والتاريخ، وباعث لطاقة التغيير، يعوض هذا النقص باستدعاء أي تفصيل لملء فراغه وكسله، فيختزل التحرر في شكل امرأة، ويا حبذا لو كانت باريسية! فهذا موضوع اشباع نفسي مثالي للمنبهر النكوصي، ثم وبنفس الآلية النفسية يصير موضوع قلقه النفسي هو الشكل المقابل للشكل الأول، فيتم تضخيم الصورتين ليتركز كل حسن في الأولى، وكل شر في الثانية، في تصنيف طفولي ساذج، يشي بانطماس الظهور النفسي أمام الآخر، والتوحد المَرَضي به.
وهكذا تمتد الأمثلة بلا حصر، في لعبة مستمرة تبدأ من الفرد ومساحته الحميمية، وتصل إلى أعلى مستويات ممارسة الفعل السياسي والاجتماعي.
والفيتيشية ليست نظاما مسالما، فلرفضها عقابٌ يجعل من شعار دولة الحق والقانون شعارا اختزاليا آخر، يكفي الحديث عنه داخل القاعات المكيفة بدل ممارسته، أما المطالبين به واقعاً فلهم أماكنُ أخرى غير مكيفة بالتأكيد، من العزل في الهوامش إلى المعتقلات إلى ما هو أسوأ.
وكأن الفيتيشية تأبى إلا أن ترتدي ثوب السادية لتكمل استمتاعها بعبيدها وضحاياها، ولتتابع مطاردة المتمردين عليها.