حياة بمقاسات مختلفة

0 919

كانت صدمتها قوية وهي تلقي نظرة على نتائج تحاليلها الطبية رفقة خطيبها، اكتشفا أنها مصابة بمرض مستعص يستدعي سنوات من العلاج، فما كان من خطيبها إلا أن ألغى خطبته بها وغادر حياتها بحجة أنه غير قادر على تحمل تبعات معاناة المرض ومشاكله، ورغم كل الوعود التي قطعاها لبعضهما وكل المشاعر واللحظات التي جمعتهما معا قرر أن يختار الفراق والابتعاد.

مضت أيام ليتصل بها المستشفى ويخبرها بأن خطأ قد حصل وأن نتائج تحاليلها سليمة وأنها لا تعاني من أي مرض يذكر. كانت فرحتها عارمة بذلك وعادت البسمة من جديد لمحياها فحملت الهاتف لتتصل بخطيبها السابق وتزف له الخبر، لتتوقف فجأة وتدرك أن الأمر لم يعد يستحق وأن الخطأ الطبي قد جاء ليصصح لها خطأ بحياتها.




وغير بعيد عن قصتها في هذا العالم البائس، كان يعيش شاب أجمل لحظات حياته العاطفية رفقة فتاة صادفته أعراض الحياة بها، صنعا معا عالمهما الخاص بكل روعة وجمال، وكان يهيم حبا وشعرا وأملا حتى ظنا أن الحياة ستقف عاجزة أمام تفريقهما. إلى أن أتى اليوم الذي اقترح عليها الزواج، فخيل إليه لوهلة أن سؤاله كان مفتاح الصندوق المظلم بداخلها، جلس لساعات يسمع أحلامها المتطايرة عن العرس الخيالي والمنزل الفاره وحديثها المبهر عن مستوى العيش الذي سيعجز عن صنعه لها بعمله ذلك وراتبه المتواضع. أغلق الهاتف بعدها وافترق الجمعان كأن شيئا لم يكن.

مقالات مرتبطة

وبعدها بشهور تحقق حلمه بوظيفة أحسن وراتب أعلى فحمل هاتفه ليبشر رفيقته الراحلة ويشتري عودتها له بما زاد في رصيده المالي، ليستدرك هو الآخر الأمر ويدرك أن من لا نرقى لطموحهم المادي لا يرقون لطموحنا العاطفي، وأن من لا يقاسموننا نفس الرؤية لمفهوم الحب والأسرة والزواج هم أناس لا يستحقون رفقتنا.

وفي كل مرة تحكي لي بعض الصديقات المهندسات أنه كلما تقرب من إحداهن أحد الشباب المرموقين وأخبرته أنها عاطلة عن العمل، إلا واختفى من حياتها بقدرة قادر، واختفى معه اهتمامه المتواصل بها. وكلما حدث هذا إلا وحكت لي القصة كنكتة مضحكة تكشف زيف معدن الشريك المحتمل. الأمر لا يختلف كثيرا لدى الرجال أيضا، وكأن شباب اليوم يبحثون عن شريك مشروع تجاري لا عن شريك حياة عاطفية وأسرة مستقرة.




هي قصص تتكرر باستمرار لتفضح فارق التصور والطموحات التي يحملها الطرفان. ولازلتُ وإلى اليوم، وبعد كل ما رأيت و سمعت وقرأت وبعد ما عايشت من أسر وأصدقاء أجدني عاجزا عن فهم فكر هؤلاء الأغبياء، من يجعلون من أمور مادية وعوامل متغيرة معيارا أساسيا ثابتا للاختيار والاستمرار، كأن المصائر والأرزاق هي معادلات ثابتة نستطيع أن نتحكم بها ونتنبأ بنتائجها، ناسيين أن الحياة لا يدوم على حال لها شأن، وأن غني اليوم قد يصير فقيرا غدا وأن المعافى قد يزوره المرض في أية لحظة.
.
صحيح أن للحياة متطلباتها وصعابها، ولكني لا أفهم كيف يملك الناس حياة مستقرة فيتنازلون عن صفات الحب والوفاء والألفة في سبيل رفاهية مادية وتفاخر زائل. وكيف يتخلون عن التزاماتهم ويرمون بأحبتهم في منتصف الطريق لأسباب تافهة كهاته الأسباب.
.
قد لا أكون مؤهلا للحديث عن حكمة الحياة ومصائرها، ولكني أنصحك إن أنت مرة زرت إحدى جداتك أن تجالسها وتسألها عن خلاصة ما عايشته من تجارب. تأكد أن لسان خبرتها سيقول لك : إن من يعجز عن فهم معنى الوفاء لا يستحق أن تقاسمه الحياة مادام قد اختار أن يشاطرك حلوها فقط لا مُـرَّها.
كل هذا يحدث والعالم يتغني بعيد الحب في عصر جمع فيه الوفاء حقائبه وغادرنا إلى غير رجعة.