ضياع المعاني في ترجمة الفصول

0 887

يقول فريدريك شليجل: ” يتسم العرب بطبع مجادل إلى أبعد الحدود. فهم، من بين الأمم جميعها. أكثر الأمم قدرة على النفي والإتلاف. ما يميز فلسفتهم في روحها هو ولعهم المرضي بإتلاف الأصول والقضاء عليها بمجرد أن تتم الترجمة” . نرى بأن هذه القولة تفتح تساؤلات إيديولوجية بعيدة ، ما يهمنا هو ما له علاقة بالمحور لذلك سنركز على ماذا يقصد شليجل بقوله “إتلاف الأصول والقضاء عليها بمجرد أن تتم الترجمة؟”.

يجيب عبد السلام بنعبد العالي ب”أن الثقافة العربية الكلاسيكية كانت تتعامل من موقع قوة مع غيرها من الثقافات، كانت عندما تنقل الأصل إلى لغتها وتتمثله في ثقافتها، كانت تؤقلمه وتضمه إليها، كانت ترضخه وتقضي على عنصر الغرابة فيه فتبتلعه وتدخله في دائرة الأنا شعورا منها أنه لم يعد آخر لذا فسرعان ما تنفيه وتعمل على إتلافه والإستغناء عنه كأصل بعد أن “ترقى” به إلى لغتها”




ما يمكن أن نفهمه هو كون اللغة العربية ،حينها، كانت تتعامل بالقوة في عملية الترجمة فتضم إليها الآخر(النص) وتجعله أصلا لديها، فلا تحتاج إلى النص الأصلي لأنها لم تعد تعتبره آخر. الإتجاه الذي تتخذه الترجمة،هنا، أن باقي اللغات تترجم نحو اللغة العربية وليس العكس.
هذا الإتجاه الذي اتبعته الترجمة إلى العربية مرده إلى أن المتلقي كان يعلم اللغة العربية، حتى العجم كانوا على علم بها -في ذلك الوقت- كانوا يحسون بالإكتفاء الذاتي” وبأن أدبهم لا يهم في مجمله إلا من يتقن العربية جعلهم يعمدون إلى ضرب الحصار على ثقافتهم، ولم يكتفوا بنبذ الترجمة من تفكيرهم، بل حرصوا، من غير عمد، على جعل مؤلفاتهم غير قابلة للتحويل، فطوروا أساليب تستعصي على النقل”

مقالات مرتبطة

يقول الجاحظ في كتاب الحيوان: ” وقد نقلت كتب الهند وترجمت حكم اليونانية وحولت آداب الفرس، فبعضها ازداد حسنا وبعضها ما انتقص شيئا. ولو حولت حكمة العرب لبطل ذلك المعجز الذي هو الوزن، مع أنهم لو حولوها لم يجدوا في معانيها شيئا لم تذكره العجم في كتبهم التي وضعت لمعانيهم وفطنهم وحكمهم.” . وكأن النص العربي ليس في حاجة إلى الترجمة نحو باقي اللغات، وإنما اللغات الأخرى هي التي يجب عليها أن تترجم إلى العربية، لأن هذه الأخيرة لا تفقد النص الأصلي خصوصيته بل تزيد من جماليته والأكثر، من هذا أنها تحافظ على تقافته.




رأينا بأن النص الذي يترجم إلى اللغة العربية في الثقافة الكلاسيكية ينصهر لا يبقى آخر وإنا يؤصل لديها، وفي المقابل نجد اتجاها آخر مغاير لما درسنا وفيه يقول العروي:” لو لم يكتب مؤلفه في الإيديولوجيا العربية المعاصرة بغير العربية لكان مصير ذلك المؤلف في العالم العربي هو الإهمال” . يبدو من هذا القول أن القارئ العربي لا يلفت انتباهه النص إلا إن كان مكتوبا بلغة الآخر، هذا ما دفع الكتاب إلى الهجرة للآخر ليؤصل ذاته عند المتلقي العربي، “فكأن المثقف العربي لا يمر إلى ذاته اليوم إلا عبر الآخر، ولا يتكلم لغته إلا عبر لغة أخرى. فلا معنى هنا لما نكتبه أو نقرؤه إلا في ترجمته (…) والأغرب من ذلك أن منا من يعمل هو نفسه، بعد أن يكتب بغير العربية، على أن يترجم هو نفسه ما قد كتب” . هذا التصور الذي يضعه الكاتب أمامه، سيجعله يفكر في المترجم المحتمل لإبداعه، ويتبعون الطرق التي تسهل على المترجم عمله لكي يحسوا بأن لعملهم قيمة.
” إن واقع الترجمة هو واقع الفكر العربي، واقع الثقافة العربية المعاصرة. فهذه الثقافة اليوم لم تعد تدرك ذاتها، ليس فقط إلا عبر آخر، وإنما عن طريق الإدراك الذي للآخر لها. فهي إذن لا تحيي الترجمة كحركة تأليف ونشر، وإنما كأسلوب عيش ونمط وجود” . وهذا يدل على أن ما يكتب وما يقرأ من أدب ،حسب هذا المنظور، لا يتم إلا عن طريق الترجمة فصارت مقارنة تتم بين النص العربي والنص الأوربي ،مثلا، من طرف القارئ، فحينما يقرأ رواية يقارنها بطريقة مباشرة أو غير مباشرة بالأدب الأوربي.
وهذا الإتجاه الذي اتبعته الترجمة إلى لغة الآخر نجده عند الكاتب الفرنسي الذي لا يتواصل مع القارئ الفرنسي إلا عبر الكتابة بالإنجليزية ثم ترجمتها للفرنسية، وهنا نستحضر دور القوة في عملية الترجمة ما بين اللغات.
نحن نحتاج إلى “ترجمات حوارية تستثمر النص وتعيد إنتاجه، وتعترف بالحاجة الدائمة للرجوع إلى الأصول والاستئناس بها، ترجمات لا ترمي إلى إلغاء الاختلاف وإنما إلى توظيفه ورعايته، ترجمات لا تتوخى أساسا خلق القرابة وإنما تكريس الغرابة، ترجمات تنعش الفكر وتحوله وتشق له دروبا جديدة وتفتح له آفاق مغايرة، فتسمح للنصوص بأن تبقى وتدوم عندما تطير وتهاجر”