تهيآت من نسج الواقع

0 558

أطرق رأسه و غاص وسط الملفات يبحث عن اسمه، كان أمله كبيرا في النجاح، عاش على الأمل طوال حياته، لدرجة أنه كان اذا ما توافرت لديه حلوى تفاضل بعضها على بعض في المذاق أو المظهر، بدأ بالسيئة و ترك الجيدة ليبقى فمه طيبا بمذاقها، يتبادر إلى ذهنه سؤال حول ما إذا مات قبل الوصول إلى الجزء اللذيذ، لكن أمله في الحياة و صوت ما بداخله كانا يطمئنانه بأن عدل السماء لن يميته قبل الانتهاء من أكل الجزء الجيد بعد الرديء.

 




شارف على الإنتهاء من الملفات و لم يظهر اسمه بعد، و لا زال الأمل داخله لم يمت، رمق في عين صاحبه نظرة استسلام و اشفاق، صاحبه الذي علم أنه نجح لكنه لم يُحصِّل الميزة التي حلم بها، لم يفرح كثيرا، استهزأ بالحياة و سخرية القدر، و قلب حفلة تخرجه عزاء، في المساء أقامت أمه حفلة صغيرة للأهل و الجيران، دخل متأخرا بعد أن جاب شوارع المدينة مشيا بحثا عن كلمات تريحه، قال لأمه التي فتحت الباب، لم كل هذه الضجة لم أنل سوى شهادة، لا امتياز و لا وظيفة، أمه التي لم تكن تفقه كثيرا ما معنى الشهادة في بلد لا تقدر الشهادات، وجدت أن ابنها من بين كل العائلة و الرفاق نجح على قلة الناجحين، فكانت فرصة جيدة للتباهي بمن حملت تسعة أشهر.

 

نام ليلتها بعد عناء، طوال حياته لم ينتظر يوما لائحة الناجحين، كان غالبا نجاحه أمرا محتوما، لا ينتظر سوى المعدل، و كان مزاج الصيف كله يبنى على هذا الأساس، اعتاد معدلات لا بأس بها تضعه غالبا في خانة الأوائل، ذلك ما زاد من صدمته هذه المرة، أحس و كأنما سنوات الدراسة كلها رهينة بضع ساعات من الامتحان، خلافا لصديقه كان يقول أن الشهادة تعتبر نقطة الصفر، نقطة بداية، فأنت بنيلها لم تنل شيئا بعد، بينما لدى صاحبه تعتبر مبلغ الحلم و أساس الأمل، واقعية جعلته قاسيا على نفسه و على الحياة، كان يؤنب نفسه إذا أخفق لدرجة تجعل أباه يشفق عليه و يواسيه، و يحرم نفسه كل أشكال الفرح.






كثيرا ما يرى صاحبه و يتمنى لو يتغير مفهوم الأمل لديه، واقعيته جعلته يأخذ ما يريد من الحياة و يترك ما يريد، أحيانا يوبخ صديقه قائلا ما الذي يجبرك على أكل الرديء و ارتهان الجيد، الحياة قصيرة تخلص من الرديء و كل الجزء اللذيذ، يجيبه صديقه بأن الحلوى من صنع أمه، فهو يأخذها لا يبقي شيئا منها لكي لا يجرح مجهود أمه الطيب، لم يكن يحس كثيرا جواب صديقه، عمليته جعلته لا يرى المشاعر و لا يحاول الاجتهاد كثيرا في كل ما يخص لاوعيه، هو لا يؤمن إلا بالعلم و المنطق البحت، صاحبه غالبا ما يشغل باله بأسىئلة من قبيل و هل يعلمك العلم كيف تعامل الجيران ؟ حاول عبثا ايجاد معادلة أو خوارزمية في طريقة معاملة الناس، لكن الناس يختلفون باختلاف لاوعيهم و جيناتهم و لم يجد شيئا منطقيا يجمعهم، فبدأ يعامل الناس معاملة الأشياء.

 

يصعب عليه أن يرى مدربا في تطوير الذات بكرش، لم يستوعب يوما كيف لرجل بدين لم يقاوم رغبات شهوته البطنية أن يملي عليه نصائح في تطوير ذاته، أو أن ينصت لمفتي أو عالم دين لم يبرع في مشواره الدراسي و تحصيله العلمي ضئيل و خطبه مليئة بالأخطاء اللغوية الساذجة، في دراسته اضطر إلى العمل مما دفعه إلى الدراسة في أيام السبت و الأحد، فكان يهزأ بكل أولئك الأساتذة المبجلين، كان يقول لو كانوا جيدين إلى هذا الحد و حياتهم رغيدة لما اضطروا إلى العمل أيام السبت و الأحد، كان يحب مشاكسة أمل صديقه و يسأله مستهزءا ماذا لو لم يكن هناك جنة و نار ؟ فيجيبه أكون قد عشت حياة معتدلة في ظل الإسلام، فالحياة عبادة، لك أن تعبد الله أو تعبد الشهوات، في الأولى اتزان و حرية و في الثانية تخبط و استعباد.

 

ظل صاحبنا يصارع الأمل في حلبة الحياة، باحثا عن القاضية، يضرب بيد من العلم و يد من المنطق، و تخر قواه أمام عدالة القدر، يندهش لرؤية جاهل غني و مثقف فقير، و لا زال صاحبه يبحث بين ثنايا ملفات الأمل عن خيط يتعلق به و لو من نسج الخيال…