على بُعد ثلاث خطوات من غرفة العمليات

0 894

فى الماضى، كانت ذات العشر أعوام تعتقد أنه من عدم الإنصاف أن تخوض الحياة معاركها بكل حِمية مع هؤلاء العُزل الذين ما تبقى لهم من أجسادهم الواهنة شيئاً يحتمون به أمام شراستها. وأنه من المروءة أن تكون أطراف الحرب على نفس القدر من القوة والصلابة.




كانت لا ترى عذراً لقصور الأبجدية فى التعبير عن هؤلاء الأبطال و تخاذل الكتاب والشعراء والفلاسفة فى أن يفردوا صفحات ودواوين ومقالات من أجل الحديث عن تلك المرارة والغُصة التي يعانيها هؤلاء ، إلا أنه فى نفس الوقت كانت تظن أن حتى تلك القصائد والأشعار لن تستطيع أن تصف وجع كهذا، تهرب فيه الروح المسحوقة إلى جسد إستوطنه المرض لم يعد فيه عضو إلا وقد مات به نسيج، ويلجأ فيه جسد ضعيف إلى روحٍ منهكة، يطلب الدعم من أرض ضحلة ممزقة.

كبرت ذات العشر أعوام وتضاعف عمرها ولم تدرى أنها ستخوض مستقبلا معركتها الخاصة، فوجدتها كما نددت من الجور والمغالاة ورغم هشاشتها خاضت دولا انتصرت بأنفاس متقطعة أحيانا وخضعت فى الأخري ،لم ترغب أبداً أن تبتعد المعركة عن عقر دارها فحتى الخسارة على أرضها ،ستكون مكسبا كبيراً لها، إلا أنه فى الجولات الأخيرة لم تكن الصدارة من نصيبها فكانت المعركة فى مكان آخر ما لبثت أن هربت من شبحه مؤخراً.

حطت بها الرياح هنا، حيث الهدوء الصامت مهيمن على المكان، ثباتٌ فى الزمن حد لا معنى للثواني والدقائق او الساعات ،لا أحد هنا إلا وغارق في سأم دامس؛ وجالس يبحث عن قشته لينجو. فى هذه اللحظة لن تستطيع أن تزايد على ألم أحدهم فالجميع هنا لنفس السبب و الجميع هنا متساوون فى الألم وإن تدرجوا فى المعاناه .

هؤلاء الأبطال رغم أثرهم الكبير بداخلي إلا أننى لم أفعل شيئاً مدهشاً لهم، ولكنني أقسم أنى حاولت وسط كل هذه العزلة والضياع أن أجعل الحياة ممكنة.ومن جهتي لم ينقذني أحد حتى الذين ظننتهم ملجأى ومنقذى، بل أنقذتني جمادات ألفتها و أشياء أحببتها ربما كرة من خيط وإبرة أو قلم وفرشاه، أنقذتني اللوحات والألوان ولم ينقذنى الناس.




ولا أُخفيك أن الجلوس فى الغرفة وحيدا يجعلك تسترجع ذكريات طالما ظننتها طيت فى خانة النسيان ،فى الحقيقة لم تخيفني الأشياء الأيلة للزوال يوماً ما بل مما ظننته سيبقى معى ثم يخيب ظني به فى آخر المطاف. فالطعنة هنا يا صديقي تقتل مرتين.وعندما حانت لحظة المغادرة فعليا، جلست أتنهد وكأني أودع الغرفة التي احتضنتني لأيام، ادققفى الجدران و أتمحص قطع الأثاث علها تتحرك من مكانها فأعطيها عناق أخير، لكنها مثلى، مُخيبة للآمال ،لا تتجاوب.

مقالات مرتبطة

وواجب الوفاء يحتم علينا أن نودع هؤلاء الذين شغلنا مكان من أرواحهم، أن نمر عليهم، ألا نتركهم كهذا بدون إبتسامة و ” إلى اللقاء” كاذبتين، فقد زارتنا أشياء سعيدة هنافى الوقت الذى ظننا فيها أن لن يغادرنا الحزن أبداً ،وبالنظر في عيون هؤلاء وجدت أننا نحمل نفس الغاية، فبالرغم من امتلاكنا أعمار محدودة إلا أن قلوبنا كانت تعشق كل جميل وأننا لم نتوقف بل واجهنا ولم نستسلم قط، وإن لم نعرف قوانين اللعبة جيدا.ً

كان عزاؤنا الوحيد أنه على الأقل عندما نرحل سنترك خلفنا قصة واحدة ملحمية تحكي عنا وسنكون قد أحببنا بالفعل على الأقل مرة واحدة موفقه و بصدق، ونكون قد حلمنا على الأقل حلماً واحداً جميلاً وإن لم نلمسه.

سنرحل ونعلم أنه على الأقل ستتردد على أماكننا قطة واحدة جائعة،و ستفتقد جلساتنا ظل شجرة واحدة وسيحفظ خطواتنا على الأقل شارع واحد طويل، وتحن إلى مبيتنا على الأقل مدينة واحدة، وسيظل دفء أجسادنا ساكن على الأقل بداخل معطف واحد بغرفتنا، وسيتذكرنا على الأقل صديق واحد وفى وإن كان فى حديث عابر مع نفسه، وعلى الأقل سنكون قد نجحنا مرة أخيرة وإلى الأبد فى إخفاء قصتنا الحزينه.

بعد ارتداء زى العمليات. انت تقف الآن على بُعد خطوات من تلك الغرفة ، تفتح أحضانها لاستقبالك _هى كريمة كالعادة _ الجو العام فى المكان لا يختلف كثيرا عنها .تنام على الفراش حتى يأتي الطبيب المسئول عن التخدير، بضع لحظات هامة، تمثل أخر الفرص النزيهة التي تتركها لك الحياه للتفكر فيما مضى من عمرك.بعدها سيصبح كل ذلك سراب

ستجد نفسك متعباً مما يصول ويجول بداخلك من أفكار…! عجباً لك أفنيت عمراً طويل لكي لا تكون أنت..! كم مرة كنت رهن الحديث العالق و زرعت نفسك فى غير أرضك فذبلت…! كم مرة خاطبتك نفسك لا جدوى من العبث فى الجروح الغائرة لكنك ما استجبت…!

ها قد جاء طبيب التخدير لتبدأ رحلة جديدة تصارع فيها غريزتنا العدم من أجل البقاء.رحله غريبه لا بد أن تستلم فى بدايتها لكى تبدأها .إقترب، لا تغمض عينك. عليك أن تستمتع بكل لحظه تمر فى هذا الوقت حتى يشرع الظلام فى الانتشار ليعم المكان ستجد جفنيك يلتصقان وحدهما بسلام، تفقد السيطرة على كل الأفكار التى صارعتك حتى الوصول، ليظلم كل شئ حولك حتى يشمل خيالك ..لا مفر الآن هيا عد واحد ، إثنان ، ثلااا….انتهى!