لأنك ولدت هكذا .. !

0 946

إن أبي وأمي كان بامكانهما أن يجعلا مني شخصاً أخر ، شخصا لا يمثل طريقة تفكيرهما ووعيهما بأمور الحياة ، لكن وبكل بساطة أنا نسخة منهما ، لا أصلح سوى أن أوضع كديكور في غرفة الجلوس داخل البيت .

إنني للأسف علبة أفكار مكدسة يتم ملؤها بأي شئ أو جهاز استقبال يتم التحكم فيه دون أدنى تدخل منه .

هكذا نحن دون تزيين لما نحمله من أفكار واهية، ندعي من خلالها أننا أحرار في طريقة تفكيرنا وفهمنا للأمور ، وحقيقة الأمر أننا أبشع من هذا بكثير لأن أي محاولة منا لنعبر عن فكرة واحدة فقط نكون كمن سيلقي خطابا أمام حشد من الناس و بخطابه ذاك سيتحدد مصيره ومصير الأفكار التي ستأتي بعد الفكرة الأولى .

 

نحن الخائفون من قول ما نريد قوله ، فهدفنا ليس أن نحصل على ما نريد بل أن يتم قبول أفكارنا التي سنعبر عنها فقط دون أن تُفهم كلماتنا بالطريقة الغلط ، نريد فقط شيئا من البساطة أثناء عملية استيعابنا ولين الخاطر من طرف الذي سيكون بمثابة المستمع والمنصت والمستوعب لما نحمله بين عقولنا وقلوبنا ، لكن للأسف لا نستطيع .

لا أحد يسمع نبض قلوبنا التائهة ، قلوب ممتلئة برماد ذكريات العمق الطفولي الذي كنا نتعرض له و نحن بين أهل البيت والجيران والمجتمع ككل .

أضحك حتى يبكي الطفل الذي بداخلي حينما أتذكر إحساسي الغريب ، إحساس الرغبة في التعبير عن مشاعري وأفكاري، في التعبير عن حبي للابداع والتألق والعمل الشبابي ، كنت أكبر من سني أنذاك لأن الطفولة لم تكن تسع أفكاري واحساسي بالحياة ، كانت رغبتي كبيرة في المضي نحو أشياء أرى أنها المعنى الحقيقي للحياة ، اني وبكل بساطة أردت أن أكون أنا .

هكذا وبكل سهولة في مجتمعاتنا العربية يتم قمع أطفالنا إناثا و ذكورا منذ أول تعبيرٍ عن رغبتهم في الاستقلال بذواتهم ، استقلال مفاده أنهم يرغبون في التعبير عن أفكارهم و أحاسيسهم بحرية.

 

كان بامكان أحدنا أن يبدع في طفولته، أن يظهر مهارة من المهارات التي لا يعرفها حتى أقرب المقربين إليه لكي يصير اليوم ما يريده هو .

في مجتمعانتا اليوم ظهرت فينا أبشع الأمراض النفسية والفكرية والسلوكيات المنحطة ، نتيجة قمعنا وتشريد أفكارنا التي كنا سنعبر عنها ذات يوم ، فشبابنا اليوم صار تائه الطموحات والأحلام التي رسُمت في أول ورقة بيضاء أثناء حصة الرسم .

أصبحت أقصى طموحاتنا وظيفة في مكتب إدارة عمومية، عجوز نملا الأوراق و ننصرف عند نهاية الدوام الممل ، منتظرين راتبا شهريا هزيلا وزواجا يكاد يكون هو أيضاً من تدبير الأهل تحت وصاية مجتمعنا الضرير وانجاب نسخة أو نسختين من طفل أو طفلة يسمى هو أيضاً انسانا ليكون ضحيتنا التالية ، وتستمر أزمة صناعة العمق الفكري و طمس هوية الإحساس والرغبة في أن يقول كل واحد منا هذا أنا .

نماذج كثيرة تملأ كل مكان من مجتمعاتنا المخدرة بتوافه الحياة، فما عليك سوى أن تلقي نظرة لكي ترى شبابنا وهو يرتدي رداء الشيخوخة قبل وقتها وطموحاته التي تبرد يوماً بعد يوم و بناتنا يُقمعن في بداية عطائِهن واقبالِهن على الحياة .

أهناك أزمة أكثر من هاته ؟

مقالات مرتبطة

إذا ما العمل ؟

أيعقل أن نظل هكذا دون أن تكون لنا أي حركة بسيطة تعيد ترتيب الأوراق وإعادة قواعد اللعبة إلى أصلها بعدما تم تغييرها إلى قواعد أخرى قيل لنا أنها هي القواعد الأصل .

سيقول أحد ماذا سأفعل ؟ وقد يضيف : هناك أشياء ووقائع وأحداث أكبر من أن نتحكم فيها ونجعلها لصالحنا.

سأقول لك : معك حق و لا يمكن لأحدنا أن ينكر هذا ، هناك ما لا نستطيع أن نتحكم فيه فالوضع يتفاقم يوماً بعد يوم ، لكن لا ننكر أننا نحن أيضا جزء مما يقع وساهمنا في حدوثه بوعي منا أو بدون وعي .

هنا أريدك أن تنصت جيداً و تركز معي .

صناعة الوعي الفردي تلك العملية التي ستساهم في صناعة ذاتك وأفكارك وأحاسيسك من جديد ، وهذا الأمر يحتاج منا أن نقوم بعملية التخلص مما سبق وأن ندخل إلى مرحلة الفراغ ، فراغنا من الأفكار الجاهزة وأن نتخلص من مرحلة الطفولة المقموعة واستشعار حجم المساحة التي نمتلكها ونقوم باعادة بناء الانسان فينا عن طريق ما سنكتسبه من تجارب جديدة والتي سيكون انتقاؤها عن وعي وهذا حتماً سيقودنا نحو صناعة الوعي الجمعي لمجتمعاتنا الذي سيؤدي دون شك الى جادة صواب الفكر و الاحساس .

أن نمنح أنفسنا شرف الحرية و أن نحتفي بأنفسنا كل لحظة وأن نخوض تجاربنا مع الحياة دون خوف ونقاتل شراستها ونجعل مناعتنا أقوى لكي لا نموت ونحن في بث تجريبي للحياة دون أن نستشعر دقيقة واحد منها .

 

الأمر بسيط جداً ما عليك سوى أن تدرس وتُعلم نفسك بنفسك ، فتربية أباءنا لم تعد كافية ولا نافعة في وقتنا هذا ، ومدارسنا وجامعاتنا لم تعد تؤدي دورها الأصلي في إخراج جيل قادر على مواكبة عملية صناعة الوعي ، فسبل المعرفة في عالمنا اليوم صارت أسهل و أبسط .

أن نسافر الى أبعد الحدود دون أن تكون لنا عاطفة الرجوع الى الأصل ، لان الأصل في انسانيتنا أن نعيش أكثر من حياة ، فحياة واحد لا تكفي .

ألا نتمنى أن نعيش كما عاشت الشخصيات التاريخية التي لم نرها ولم نسمع عنها سوى في كتب التاريخ ، شخصيات قيل لنا أنها حققت مالم نستطع تحقيقه وأننا لن نصل الى ربع ما وصلت اليه .

اليوم كل شئ أصبح واضحا ولا غبار على حقيقة ما نعيشه ونتخبط بداخله لأننا لم نهتم بالانسان الذي بداخلنا ولهذا يجب أن يأتي اهتمامنا بما تحتويه دواخلنا في قائمة الاشياء التي يجب التركيز عليها وأن نعيش تفاصيل حياتنا التي نغفل عنها و نحن مقبلون على أيامنا المعدودة .

لكن سأخبرك أمرا وهو أنك ستدفع ثمن أنك تريد أن تكون أنت .

لهذا كن على يقين أنك ستجد نفسك وحيداً يوما ما ، لكن ستكون أنذاك أنت هو الشخص الذي كنت تبحث عنه لأنك ولدت في الأصل هكذا ، حر الفكر و الاحساس .