وهم التوقعات

0 673

ربما تكون حياة الكثيرين ليست كما كانوا يتوقعون في أعمارهم المبكرة … الأعمال التي يذهبون إليها كل صباح ليست بتلك الدرجة من المتعة التي كانوا يتخيلونها، ولا تعطي لأنفسهم الرضى المطلوب، ولا لواقعهم السرور المنشود … الأحلام التي كانوا يظنون أنها ستتحقق سريعا فتأخرت كثيرا أو تبخرت …
الأموال الطائلة التي ظنوا أنهم سيجنونها من مهنة جذورها راسخة، أو تجارة تبدو بأنها رابحة، فتأخر الحصاد أو تحول إلى رماد … أو الأموال التي جنوها بالفعل بعد طول عناء، وظنوا أن الرخاء مصدر للهناء،وأنه يدفع الهم والغم والشقاء فلم يتغير حالهم في السنوات السمان وبقوا خائفين مترقبين كما في السنوات العجاف … أما الحبيب أو الصديق الذي ظنوا بأنه على الأهوال جلدا وأنه سيعينهم على نوائب الدهر، فأصبح الجلاد الذي تأتي منه الأهوال والشامت الذي يقصم الظهر .


ربما لا زال يبحث الكثيرون عن التمام والكمال في دنيا طبيعتها العيب والضعف والنقصان، فتتوالى عليهم الصدمات واللكمات، وتتكبد أرواحهم الجروح والكدمات … ربما لا زالوا يتوهمون بأن على طريق الحياة الشاق واحات يجب أن يبحثوا عنها ليخلدوا فيها للراحة أو أن لها محطات وصول يفرحون عندها فرحة لا يحزنون بعدها أبدا … ربما لم يفهموا بعد بأنه طريق لا ينتهي، ليست به محطة إستراحة معلومة ولا نقطة وصول محددة.
من فهم المعنى وأدرك المغزى عرف بأن الراحة في المواصلة … مواصلة السير كيفما تيسر؛ وأن الوصول في الوصال … وصال من تطمئن لذكره القلوب وتخشع له الأبصار. وأنها طرق يستمتع بِها على عوجها ووعورتها، لا تقبل التوقعات، وتأتي بالكثير من المفاجئات، تسر من أدرك نقصها فعاشها ببساطة وتحزن من سعى وراء كمالها فلم يعش تفاصيلها … ولقد أبدع في وصف هذا الحال، نذكره على سبيل الإستدلال، وبه نختم هذه الأقوال الشاعر الأندلسي أبو البقاء الرندي عندما قال بعدما عاين الإحتلال :

كل شـيءٍ إذا مـا تـم نقصانُ
فـلا يُـغرُّ بـطيب العيش إنسانُ

هـي الأمـورُ كـما شاهدتها دُولٌ
مَـن سَـرَّهُ زَمـنٌ ساءَتهُ أزمانُ

وهـذه الـدار لا تُـبقي على أحد
ولا يـدوم عـلى حـالٍ لها شان

انتهى !