في معنى الشغف…

0 4٬472

.ترِدُ كلمة الشغف في سياقاتها اللغوية للدلالة على كل معنى عميق يعْلق بشغاف القلب، مُفعماً بروح المغامرَة والخطر، مع غضِّ الطرْف عن كل عَناءٍ ونصَب، وتناسي كلّ العواقب في سبيل نيْل ما هو مرغوب ومطلوب.
لعلّ الباعثَ على الشغف بشيء مُعيّن ـ بل وغايتُه ـ يتعذر الوقوف منها على سبب أو تفسرٍ مقبول؛ كما يتعذَّرُ الكشف عن سبب تفضيل أحدنا لصوتٍ أو لونٍ أو طعْمٍ أو شكلٍ معيَّن.

لهذا استحوذت معاني “العشق” و “الحب” على سياقات هذه الكلمة؛ إذ العشقُ نوعٌ من الجنون، تُلقَى فيه على قلب العاشق غشاوةٌ وعلى بصيرتهِ حجابٌ، فلا يرى من عيوب من يهوى شيئاً ، بل يُضيف إلى محاسنه صفاتٍ وهميةً قد لا يتحلى بها.
على أن أسوأ خطأ فادحٍ تزِل فيه قدمُ أحِدنا في مسار الحياة، هو حينما يربط حياتَه بشريك لا يُشاكله ولا يحبُّه، وإنما ألزمته الحياة وظروفُ المجتمع وأعرافُه الاقترانَ به في أهمِّ عَقْدٍ لا مادّيٍّ لدى الإنسان؛ فيحكم بذاك على نفسه وقَرينِه بسجنٍ مؤبّد مع الأعمال الشاقة، والعناء والبؤس المؤبد في عيشة غير راضيةٍ ولا مرْضِيَّة لا يرتاحُ فيها ولا يرتاحُ منها؛ بل تصيرُ دُنْياهُ ذات نكدٍ وَعُبودِيَّة وصفها أحمد بن الحسين المتنبي يوماً فقال:
(وَمِن نَكَدِ الدُّنْيَا عَلَى الْحُرِّ أَنْ يَرَى … عَدُوّاً لَهُ مَا مِنْ صَدَاقَتِهِ بُدُّ)
فكذلك حين يُبتلى المرءُ بسلوك دَرْبٍ في الحياة لا تُسيغها نفسه ولا ترضاها روحه.
وإذا كان كلّ منا خُلق بشكل ولونٍ وسَمْتٍ مختلفٍ، فإن الشغف على هذه الشاكلة، على اختلاف المشارب، وتبايُن المصادرِ والموارد.

مقالات مرتبطة


يمتاز الشغف عن باقي نوازع النفس الإنسانية بأَمارةٍ واضحة، تكون سِمَةً له ودليلاً عليه؛ وذاك حين لا يتوخى صاحبُه منه غايةً قريبةً، ولا مردوداً مُعيَّناً؛ بل يكون في تلك السبيل سائراً على هواه وسجيَّته كما ينسلُّ الماء بين ثنايا الصخور والأجراف حيثما امتد به الجدول، ويلقي كل كلام الناس وراءه ظهرياً ليحقق بذلك ذاته واستقلاله وغايته.
ومن ثَمّ فإن الشغوف ما ينفكُّ يُسبِغُ على ما يصْبو إليه من غايةٍ هالةً من القداسة والهُيام؛ فلا يُصيخ بأذنه لآراء من حولَه، ولا يثنيه عن عزمه شيء، ولا يلقي بالاً لمن يعمل جاهداً ليُقيم له البراهين والحجج على خطأ منهجه وطريقه ما دام هو يصدر فيها عن قناعة وبصيرة.
ولخلعُ ضِرس الشغوف أهونُ عليه من الانصراف عن غايته وما يملأ عليه قلبه وروحه مما هو منه بسبيل.
ثُلّة قليلة ونزْرٌ يسير من الناس استطاعوا القفز على حاجز التَّنميطِ والشكلانية والقوالب التي يصوغها الواقع وتضعها تبعاتُ الحياة المادية في هذه السبيل، خاصة في بيئاتٍ ومجتمعاتٍ سَاخَتْ بها الأقدار في أسفل سلّم التحضّر مع افتقارٍ مُدقِعٍ إلى أبسط ضرورات العيش الكريم، مما يفسر في الغالب ذاك السخط العارم والعيشة السوداويةَ العدمية التي تنوءُ بها هذه الشعوب، فكلُّ فردٍ يرى ـ عن وعْيٍ منه أو دون وعي ـ أن الظروفَ أَقْحمته في مسلكٍ لا يشاكله ولا يجانسه، وأن القدر حكم عليه حكماً جائراً مؤبدا، فتظل أحلام شغفه وأمانيه تراوده كل حين لتنغص عليه عيشتَه إلى آخر رمق.
وقد يزيد بعض الأفراد الطين بِلَّة حين يحاول أن يضع ولدِه في قالب هذا الحلم الذي ضاع منه وفاته في الزمان الغابر، ويجني بذلك على هذا الولد، ويسيء من حيث أراد أن يحسن.
ولا يخفى أن لكل منا في الحقيقة شغفاً في هذه الحياة، لكن بيئة المجتمع و”كلام الناس” ونُظم التعليم والعمل غالباً ما تكون عائقاً يُفضي بنا إلى التخلي عن غايتنا.

وكنوز التراث الحضاري الإنساني طافحةٌ بنماذجَ من أفكارٍ وإبداعات إنما كانت نتيجة لأفرادٍ استطاعوا بقوة العزم والإيمان في نفوسهم أن يخرجوا عن المألوف في بيئتهم، بداية من الخيال خطوةً أولى، ثم العمل، نهاية إلى الابتكار.
وقدْ جُبِل بُسطاء الناس وعامّتهم على استعجال النتائج، وقطف ثمارٍ عاجلةٍ عن كل عمل يحمل وراءه غاية، علماً أن الغاية كلما كانت ثمينةً وذات قيمة سامية لزم أن تكون بعيدةً غاية البُعد؛ يكتنفها عاملان لا يصبرُ عليهما إلا ذو الجَلَد والصبر: التّعبُ والزمن.
يُحكى أن أحد الأمراءِ قديماً سمع عن رجلٍ يزْعُم أنه ذو موهبَة فذَّة ونادرة النظير، فجيء بالرجل بين يدي الأمير، ليعرض موهبَته مقابل أن يُجزِل له العطاء، فوضع الرجل إبرة صغيرة وثبتها في الأرض على مرمى أمتارٍ منهُ ثم أخذ إبرة أخرى فرمى بها الأولى لتنفُذ من مكان الخيط إلى الجهة الأخرى.
كانت النتيجة أن أمرَ له الأميرُ بمائة دينار ومائة جَلدة، فسُقِط في يده واستفسر عن الأمر فكان جواب الأمير: أن مائة دينار لأنك أتقنت العمل وتكبدت عناء المِراس مدةً طويلة لتجيد الرمي، ومائة جلدة لأن العمل لا يفيد شيئاً ذا بال لا من قريب ولا من بعيد”
مغزى الحكاية أن الغاية من الشغف إذا لم تكن سليمة وذات أهميةٍ تعود على المرء ومجتمعه بالفائدة، فلا معنى للكد والنصب فيها مهما بلغ صاحبُها من الجهد في تحصيلها.
وهذا الأمر ينظم في أعطافه الكثير من أشكال الشغف التي لا تقدّم ولا تؤخر، أو التي يكون مردودها محدوداً لا يتجاوز صاحبه، بل يقدمها إعلامنا الكرتوني على أنها “مواهب” و “إبداعات” و”ابتكارات” وهَلم شرّاً….
وما أكثر من تخطّفته هذه الجوائح ممن “ضلَ سعيُهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا”