هكذا يعود عطاؤك إليك !

1 955

أصبحت حياتنا اليومية ضحية المنظومة المادية الرأسمالية الفتاكة، التي تجعل الفرد منغلقا على أسرته النووية، باحثا فقط على تحقيق متطلباتها المادية، إلا من رحم ربي.
هذا النمط من العيش يؤثر سلبا على الإنسان و يفقده روح التكافل الاجتماعي والمساهمة الفعالة في العمل الخيري.

أبرز العوامل التي تحول دون مشاركة أفراد المجتمع في المجال الخيري والتطوعي هما العاملين التاليين : قلة الوقت و كثرة المصاريف والالتزامات المادية.

إن عامل الوقت راجع أولا وقبل كل شيء إلى حسن أو سوء التدبير، حسب تحديد الأوليات. هناك فعلا من تجد إلتزاماته المهنية و العائلية كثيرة، لكنه يخصص على الأقل ساعة أو ساعتين في الأسبوع للعمل الخيري. بينما تجد فئة كبيرة من الناس، تخصص وقتا مهما للملهيات، ولا تفكر في إدماج العمل التطوعي ضمن برنامجها وأولوياتها.

نفس الأمر فيما يخص الجانب المادي، فَلو حرص كل شخص على ترشيد نفقاته و ضبط محكم لمصاريفه، لاستطاع تخصيص جزء ولو بسيط من المال يساهم به في العمل الخيري. حتى بالنسبة لمن ليس له دخل مادي من الطلبة وغيرهم، يمكنه المساهمة عن طريق نشر حملات التبرع، فيصبح محطة مهمة وسط العائلة والأصدقاء الذين يستطيعون التبرع بالمال.
الآن، لنتطرق للموضوع من زاوية أخرى : ماذا تكسب (أنت شخصيا) من المشاركة في العمل الخيري ؟
إليك أهم المكاسب من خلال الجوانب التالية :

أول أمر إيجابي تسعد به كثيرا، هو الدخول في شبكة جديدة تأخذ بيدك إلى عالم إيجابي لم تتوقع وجوده في هذا العالم المادي المجحف. ستتعرف على أشخاص طيبين، صادقين، رائعين، إيجابيين، هدفهم الأسمى نشر الخير والمساهمة الفعالة في تنمية المجتمع من خلال مشاريع هادفة. ستربط صداقات جميلة مبنية على الأخوة الصادقة و الاحترام المتبادل، لأن لا أحد يطمع في الآخر. الكل له نفس الوجهة والهدف.
ستطور مهارات التواصل والعلاقات الانسانية والقيادة، بالاحتكاك و التعامل مع العديد من الأشخاص (من كل الطبقات الاجتماعية) خلال القوافل،الورشات، الحملات التحسيسية… ستتعرف على جمعيات عديدة تسعى لنفس الأهداف السامية.

مقالات مرتبطة

الجانب النفسي
اعلم أيها القارئ الكريم، أنك ستحس خلال أيامك الأولى في العمل الخيري، (وحتى بعدها) أنك أكثر حاجة لذاك العطاء، ممن سيتلقاه منك !
في أحد تدويناته، يقول Tony Robbins الكاتب والباحث الأمريكي الشهير في مجال تطوير الذات : the secret to living, is giving . سر الحياة، هو العطاء !
كن جزءا من شيء أكبر بكثير من ذاتك.
يقول أيضا أنه مهما كانت حياتك وحالتك، فلديك شيء ما تعطيه للآخرين.
يقول كذلك الدكتور David servan-schreiber ، الفيزيائي الفرنسي، و طبيب علم النفس والأستاذ بكلية الطب لجامعة بيتسبرغ، في كتابه الرائع Guérir :
“Dans les études sur les gens qui sont les plus heureux dans leur vie que les autres, on décèle systématiquement deux facteurs : ils ont des relations affectives stables avec des êtres proches, et ils sont impliqués dans leur communauté… “
من أهم أسباب السعادة الشخصية، العطاء المستمر والمشاركة الفعالة وسط المجتمع. لا تتخيل حجم السعادة التي تغمرك وأنت ترسم البسمة على وجوه الأطفال والمسنّين الذين يعانون العزلة في المناطق النائية، من خلال قافلة خيرية تحط الرحال بمنطقتهم.

الجانب الشرعي :
يقول ربنا عز و جل في محكم كتابه : “من ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً ۚ وَاللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ”
لماذا قال الله عز و جل يقرض و ليس ينفق ؟ لأن الإنفاق في سبيل الله لا يضيع من مال صاحبه، يبقى المال كما هو على عليه. فكما قال عليه الصلاة و السلام في حديث للبخاري : “ما نقصت صدقة من مال…”.
بالإضافة، يحصل العبد على أضعاف كثيرة من الأجر والثواب، حينما ينفق في سبيل الله. فكيف بكثرة الجواد الكريم إذا أعطى ؟

وعن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “مَن نفَّس عن مؤمنٍ كربةً من كُرَب الدنيا، نفَّس الله عنه كربةً من كُرَب يوم القيامة، ومن يسَّر على معسرٍ، يسَّر الله عليه في الدنيا والآخرة، ومن ستر مسلمًا ستره الله في الدنيا والآخرة، واللهُ في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه….” إلى آخر الحديث، رواه مسلم.
الآيات الكريمة والأحاديث الصحيحة كثيرة في فضل الإنفاق في سبيل الله والأعمال الصالحة، فمن هذا العاقل الّذي يحرم نفسه من كل هذا الثواب العظيم ؟

ونحن في رحاب شهر محرم المبارك و بداية هذه السنة الهجرية الجديدة، هي فرصة لتكون نقطة تحول في حياتك بالانخراط في العمل الخيري.
فلعلك تعرف شخصا ما يعمل في العمل التطوعي، يرشدك للتعرف على جمعيات ذات أهداف تناسب مجالك ومهاراتك. كما أن هناك العديد من الجمعيات لها صفحات فيسبوك نشيطة، يمكنك الولوج إليها والتعرف على نشاطاتها.
الآن، لنطرح السؤال مجددا : لماذا لا تشارك في العمل الخيري ؟