انتفاضة داخلية

0 981

في كثير من الأحيان تعترينا الرغبة في التخلي عن كل شيء ، و نُرغم على الخضوع القصري للأمر الواقع و الاستسلام ، كأن زمام الأمور تخرج عن السيطرة و كأن قارب حياتنا أوشك على الغرق ، أمواج بحر الحياة العالية ها هي ذا تقذفنا ذات اليمين و ذات الشمال و نحن في غفلة منا ، لا نحن بأحياء و لا بأموات ، نحاول المراوغة و الوصول إلى بر الأمان ، لكننا في الحقيقة نستنزف طاقاتنا في أشياء بعيدة كل البعد عن وجهتنا و مبتغانا ، بفعلنا لأشياء كل ما يمكن القول عنها هو أنها سذاجة ، سذاجة تجعلنا في الأخير نرتخي مغمضين أعيننا و تاركين للموج وضع القيادة ، إلى حين وصول قاربنا المهشم – الذي لم تبقى من معالمه سوى بعض اللويحات – إلى ميناء الوحدة و العزلة ، هذا المرفأ الذي احتضن و لا يزال يحتضن أعدادا كبيرة من الناس أو بالأحرى يحتضن أعدادا كبيرة من الموتى الذين تخلت عنهم إرادتهم و أرواحهم قبل أن تتخلى عنهم أجسادهم .
أشخاص رفعوا رايات استسلامهم ظنا منهم أن الحرب ستنتهي ، و أن الحياة ستمنحهم فسحة من الوقت و تتركهم ليلملموا جراحهم ، للأسف تضل توقعاتهم مجرد ظنون واهية ، لان الحياة بطبعها عبارة عن صحراء قاحلة ، تحطم خلاياك بقلة مائها و تصيبك بالغثيان كلما ازداد حر شمسها ، و ما إن يغيب ضوءها و ترغب بالاستراحة حتى تفاجئك من حيث لا تدري لسعات عقاربها ، ثعابينها و سحاليها ، لتشرق بعدها شمس الجحيم من جديد و تعيد الكرَّة مرة أخرى ، في أحسن الحالات ستعيد نفس المعاناة لكن مع تخفيف من عنصر التشويق و المفاجأة و ذلك بعدم ظهور معيقات خارجية جديدة على الواجهة .

مقالات مرتبطة


أ هذه هي الحياة التي لطالما رغبنا بها !! أ من المحتمل أن تكون صرختنا الأولى – صرخة الطفل عند الولادة – كانت صرخة استنجاد واستغاثة أو حرقة دفينة في أنفسنا عوض أن تكون صرخة فرح للقاء من أنجبتنا إلى هذا العالم بعد انتظار ما يناهز 9 أشهر أو اقل .
لا أظن ذلك ، لأننا لم نخلق عبثا ، بل خلقنا لغاية كل واحد منا مدركها شريطة أن يؤمن بنفسه و قدراته و أن يحب نفسه كما خلق بدون أقنعة زائفة تُغَيَّر عند كل موقف أو تُعَدَّل عند كل مرة يعرف فيها شخصا جديدا ، بل لابد للشخص أن يبحث عن مواطن ضعفه و يحاول معالجتها و في نفس الوقت يبحث عن مواطن قوته و يقوم بتعزيزها ، صحيح أن الحياة ليست بالسهلة أو الهينة لكنها أيضا ليست بهذا الكم الهائل من الدراما ، نعم نقع في أزمات لا تعد و لا تحصى تعكر صفو حياتنا و تجعلنا حبيسي أفكارنا المتشائمة الملأى بالضوضاء ، سواء كانت بسبب علاقاتنا الفاشلة أو شخصياتنا المهتزة أو أنها عبارة عن قوة خارجية ليس لنا أي سلطة عليها ، مهما يكن لن نظل هكذا طويلا ، لان الصعاب لم تأتي إلا لترحل و إنه لمن بعد ظلمة الليل حالكة السواد يأتي نور الصباح الساطع ، أهم شيء هو أن يواصل الإنسان المضي قدما و مهما أطاحت به الحياة في مستنقعات لا مخرج منها لابد له من الصمود و النهوض من جديد ، إضافة إلى ذلك أن يمنح لكل حدث وقته ، إن كانت لحظات الأسى تمر عليه طوالا فعلى الأقل وجب عليه أن يختلس من دقائق الفرح ابتسامة تروي ظمأه في عز يأسه ، و أن ينظر للحياة بعيني طفل صغير محب للاستكشاف و يقابلها كل يوم بابتسامة مشرقة تثلج الصدر ، و لا يتشاءم أو ينظر للدنيا على أنها دوامة مشاكل لأنه بذلك لن يجد منها سوى ما يتوقعه ، انه قانون الجذب يا سادة ، غالبا كل ما يفكر فيه الإنسان و يتوقعه و يؤمن بحدوثه هو ما يحدث له بالفعل ، لذلك من المحبذ أن يتصرف على سجيته و يظهر للعالم مدى روعته ، لان الحياة فانية و ستعاش مرة واحدة فقط ، لذلك وجب استغلال كل ثانية فيها فيما ينفع النفس و المجتمع و أن يترك الماضي للماضي بكل مساوئه و مآسيه ، و آخر ما يمكن أن أقوله هو ” لا تغلقوا كتاب حياتكم و اجعلوه قابلا للتعديل في أي وقت ، لأنه سيأتي يوم لابد فيه من إعادة قراءة هذا الكتاب لتتذكروا إبداعاتكم و بصمتكم الخالدة ، و أتمنى وقتها أن لا تجدوا به تغورا يكون قد فات الأوان على إصلاحها “.