السهل الممتنع

2٬055

- الإعلانات -

يكون البال في الكثير من الأوقات مشغولا بأمور كبرى ،أمور نظن بأننا نتحكم في مصيرها أو نستطيع أن نحد من تأثيرها علينا، أمور تستهلك الكثير من الوقت والجهد لمحاولة فك ألغازها وتحليل أسباب حدوثها، أحداث مضت، كانت ولن تكون؛ وأحداث مستقبلية قد تكون أو لا تكون … أسئلة وجدانية لا أجوبة لها؛ أجوبة صادمة نتجنب السؤال عنها وحقائق قاسية نخاف أن نخوض فيها … تعيش أجسادنا بين البشر، تأكل وتعمل وتنام بينما تحلق أرواحنا في عوالم المثل والأفكار والرموز والألغاز تحاول أن تربط الأحداث ببعضها وتعطي لكل حدث معنى ولكل وقع تفسير … ربما أكبر تحدي يواجهه الإنسان في الحياة هو تبسيطها وعدم الانشغال بهذه الأمور الكبرى المعقدة المتعبة، ومحاولة خلق السعادة في أمور صغيرة بسيطة مفهومة في متناول الكل … السهل الممتنع … أشياء من السهل أن نحصل عليها لكن لا نحس بأهميتها ولا نفرح بها.

في آخر المطاف، من التجارب المتتالية، من كل الدروس التي تكلفنا الألم الذي نحس به في كل مرة نفهم الأمور كما ينبغي أن تفهم … من كل الحكايات التي عشناها ولم نخرج منها بشيء يذكر … ومن كل تلك الذكريات التي تصاحبها بعض العبر والحكم والمعاني … من هذا كله … وهذا هو الشيء المضحك في هذه الحياة … توصلنا الأمور المعقدة والتحليلات الملتوية إلى خلاصات بسيطة، قد ترمقها في وجه طفل صغير يضحك عند رؤية الشاطئ أو ينغمس فرحا في لعبة، أو عجوز تضحك عند زيارة إبنتها أو تنغمس في التسبيح والتهليل … البساطة، الاستمتاع بالأمور البسيطة الصغيرة العادية، التفكير في هذه الثانية … الآن … اليوم … فما الحياة إلا مجموع الثواني والدقائق التي نفكر فيها في الغد ونظن بأن الغذ سيكون أفضل وأنه لو كان كذا لكان كذا وكذا … الحياة هي ما نقوم به الآن !

نحاول أن نكون أقوى، نحاول أن نخفي ضعفنا، نقضي الكثير من أوقاتنا شاردين في ذكريات بعيدة جدا لم نتمكن من نسيانها، أو أشخاص ذهبوا لكنهم لا زالوا يسكنون في باحات مخيلتنا، بالرغم من كل هذه التجارب والقصص التي عشناها بدونهم … بالرغم من كل هذه السنوات الطويلة التي تفصلنا عن وقت حدوثها في الماضي البعيد. أو قد نقضي أوقاتا طوالا منغمسين في الأفكار والأحلام والأشياء التي لم نتمكن من إخراجها على أرض الواقع؛ لكننا لا ندرك قوتنا الحقيقية إلا عندما نستطيع أن نميز بين ما نتحكم فيه فعلا وبين ما نظن أنه في متناول قدرتنا … حين نميز بين الواقع والخيال … بين ذكريات الماضي وعزم الحاضر وأوهام المستقبل … بين كلام الناس وحديث النفس … حينها يزيد تقديرنا لأنفسنا ولا نقع في التوهم والإحباط.

- الإعلانات -

- الإعلانات -

ما يظنه الناس بِنَا، كلامهم وما سيفعلونه من أجلنا وتقلب أفعالهم وأقوالهم غير متحكم فيه … رد الفعل أمام هذه الأشياء هو تقبلها كما هي وعدم محاولة تقييمها أو فهمها أو حتى التفكير بها أصلا لأننا غير مسؤولين عنها وغير مطالبين بتغييرها.
الناس كالأمواج إذا سايرتهم أغرقوك، وإذا عارضتهم أتعبوك، فما لنا إلا ركوب هذه الأمواج البشرية والأمزجة المتقلبة بالمسايرة والمداراة والتغافل.
الشعور بالسرور والارتياح سواء كنت لوحدك أو كان الناس من حولك هو ما تملك بعدما تدرك بأنك لست بحاجة لأي شيء ولا لأي شخص لكي تكون سعيدا، حينها يصبح وجود الأشياء من عدمها سواء، ويصبح تواجد هذه الأشخاص من عدمهم سواء … حينها تتمنى لو يشعر الناس بما تشعر به من راحة تامة لكي ينقص تعلقهم بالأشياء والأشخاص والأحداث، حتى يركزوا على أنفسهم ورسالة حياتهم وأحلامهم ولا يضيعوا أوقاتهم في الندم على ما فات والقلق على ما هو آت …

الحياة في نهاية الأمر ما هي إلا تسلسل متناسق لأحداث نظن بأنها مبعثرة، نختار بعضها ويباغتنا البعض الأخر. ولأن الحياة تجري بنا نحو اليوم الأخير، ولأن ذاك اليوم مجهول، وجب للإنسان أن ينظر إلى الوراء ليرى ما قدم وأي الطرق قد أخذ وإلى أين هو ذاهب، فالوجهة أهم من السرعة. الكثيرون يسارعون نحو الهاوية والقليل القليل من يسير ببطء نحو القمة.

ما معنى أن تصرف كل طاقتك وتقضي كل وقتك باحثا عن السراب بينما يكفي القليل من الوقت والجهد لتفهم وتدرك بأن ما تبحث عنه غير بعيد عنك بل هو أنت في آخر المطاف …ما تبحث عنه هُو الوقت الذي بين يديك الآن ونفسك التي تفر منها لأنك لا تريد مواجهتها في جلسات طويلة … ما تبحث عنه هو السهل الممتنع، القليل من السكون والركون والجلوس مع المفتون الذي يسككنا … نقول له : اجلس واسكن واركن وتمعن وتأمل في قصص السابقين ومآل المتهافتين … فليست الحكمة في الكثرة … كثرة الأملاك والجلساء … إنما الحكمة في كثرة المجالسة … مجالسة النفس والعلماء والحكماء.

- الإعلانات -