الكتابة والقدس وما بينهما!

794

كان أول ما كتبت وعمري أربعة عشر عاما قصيدة طويلة عن فلسطين والقدس، أذكر أن عدد صفحاتها قارب الخمسة، لكنها ضاعت كما ضاع الأمل الذي كان يغدق قلبي حينها بأنني عندما أكبر سأصلي صلاتي في المسجد الاقصى، لمدة تقارب الست سنوات لم أكن أكتب عن شيء غير فلسطين، القدس، المقاومة، حتى أن ما أذكره من سطور اليوم وما رسخ في ذاكرتي هي أول قصيدة أقرأها على الملأ وكان عنوانها “الحقيقة تنادي”، تلك الحقيقة التي كانت تقول أننا خنا القدس باكرا وتخلينا عن القضية دون أن ننال شرف الحرب والمحاولة، القصيدة كنت قد كتبتها سنة الألفين وكلما قرأتها على الملأ بعدها كانت تلقى ذات الصدى، كأن مفعول الزمن توقف…لان الحقيقة من يومها وهي تنادي دون أن تجد صدى لنداءاتها المتكررة.

في فترة ما كان أدب المقاومة حاضرا بقوة، جل الكتابات كانت عن فلسطين وعن التحرر واستجداء ما تبقى من عروبة.
ظهرت المدونات أولا ثم الفايسبوك بعدها، لتصبح مواضيع الكتابة على تنوع فريد، الفايسبوك جعل الناس تكتب أكثر وتعبر أكثر عما يخالج صدورها دون التقيد بموضوع معين، طغت المواضيع الاجتماعية، السياسة لم تعد خطا أحمرا، الدين، الحب… لم يعد عليك أن تتقيد بنهج معين كي تكتب، فأنت صاحب الحائط ولك السيادة التامة عليه.
لكن بمقابل هذا التحرر في الأفكار والطرح أصبح الجميع يتحدث في كل شيء، الكل صار فجأة عالما وأديبا ومفكرا، حتى وصلنا لمرحلة تفصل فيها العناوين تفصيلا، معتقدا للوهلة الأولى أنك ستقرأ شيءا لم يؤتى بمثله قبلا، حتى تفاجأ بمحتوى رديء هدفه خلق الدعاية فحسب.


الاستسهال في الكتابة صاحبه استسهال في الطرح والاستسهال في الطرح صار علامة لفقه جديد منتشر، هذا الفقه الذي صار يجيز الحديث عن كل شيء إلا عن شيء إسمه الأمة أو فلسطين، الكتابة لمثل هذه المواضيع أصبحت كتحليق خارج السرب، فمواضيع الزواج والحب اكتسحت المواقع والمدونات وكأنما استمتعنا بلعبة التغاضي عن كل المواضيع التي تحفر عميقا في ضمائرنا.
لكن في خضم كل هذا وبسببه، أصبح الحنين إلى فترة كانت الكتابة عن القضية هي السائدة يفرض نفسه، ربما يومها لم نكن نحسن شيئا غير الكتابة لفلسطين، ربما لم نكن نجيد غير رص الكلمات رثاء أو حبا أو تخليدا لذكرى أو شحذا لهمة، لكن هذا كان كافيا لجعل قضايا الأمة حية بداخلنا، كان كفيلا بجعلنا نحس أننا جزء من وطن مترامي الأطراف لا تفرقه الحدود، كان بإمكاننا ساعتها أن نستشعر آلام الانسان العراقي في حربه ومعاناة الفلسطيني لاسترجاع أرضه وكانت تعنينا جدا بطولات حزب الله في حرب تموز.
لم يكن علينا ساعتها أن نفكر كثيرا لنقرر من الأجدر بدعمنا، لم يكن علينا أن نبحث مطولا لنعرف من يكون على حق.
وبرغم ما نعيشه اليوم من حروب أهلية وبفضله فإننا نتوه كثيرا ثم نعود للبوصلة، القدس…فلسطين…غزة كلها كلمات تعني شيئا واحدا أنه على هذه الأرض توجد قضية واحدة على الأقل يمكن أن تسمى قضية عادلة. إنها قضية نضال الإنسان من أجل استرجاع أرضه. واننا مهما كتبنا ومهما اعتقدنا أن ما نكتب من أجله يستحق فستبقى فلسطين القضية الأولى التي تستحق أن تنذر الحروف لها.