قطعة حلوى كانت لا شيء ..وكل شيء 

425

كانت من أستاذ الرياضيات بالإعدادي ؛ المعلم الذي في خاطري ؛ والرجل الطيب الذي ربّما كان هنالك من لم يفهم أنه مسؤول عما يفعله ..كانت حلوى من ذلك النوع الذي بنكهة القهوة ؛ تأثيرها في الصباح الباكر حين كنا نتناولها كان استثنائيا جدا ؛ لا أدري إن كانت موجودة للآن ولا إن كانت بنفس الطعم ؛ لكنها في نفسي الآن ذاتها ؛ ثمنها عشر سنتيمات ؛ لكنها عندي بزمني هذا بمئات الأميال من الحب والتقدير وألف إشارة لهذا الأستاذ ..

في تلك الحصة ؛ وضع رسما لمثلث قائم الزاوية ؛ وبخطه الأنيق كتب برهن أن BC²=AB²+AC² ؛ الأمر كان اعتياديا منه لأنه محب للبرهنة في كل شيء ؛ لكن هذه المرة أخبرنا ان من ينهي بسرعة الأول له جائزة … وهرعنا للكتابة ؛ لا أدري أكان المحرك بداية ؛ تلك الجائزة المجهولة ؛ أو حبنا للبرهنة أو احترامنا للاستاذ حتى لا نخذله ..أسرعنا نحن الخمسة تلاميذ الذي كنا نتنافس عادة ؛ انسكب كل شيء فينا على الورقة من أجل شيء لا نعلمه … وصلتُ للحل وركضت إليه ؛ نظر إليه سريعا باسما ثم قال ؛ ” أحسنت فاطمة ” ..أدخل يده في جيبه ثم ناولني تلك القطعة على حين دهشة ؛ وماذا تعني قطعة حلوى رخيصة لمن يفطرون بألذ منها وأغلى ثمنا ؟؟ ..
ضحكنا جميعا سخرية من الوضع ومنا خاصة نحن الذي ركضنا إليه ؛ وفي داخلي كنت ربما أقول ” ما هذا يا أستاذ لو أخبرتني بداية بهذا التحقير لما فرضتُ على عقلي هذا الضجيج من الأرقام .” ؛ لكنه في تلك الحظة كأنه علم بانتكاستي بعد جُهد ..قال لي ” تعلمين ماذا فعلتِ الآن .. أنت سلكت نفس طريق فيتاغورس ليصل إلى مبرهنة سميت باسمه .. هذه هي مبرهنة فيتاغورس ” ..
لا أدري لم كلماته تحضرني بالذات في هذا اليوم ؛ ولا أدري لم أحس بأني أشعر برغبة كبير في اللقاء به وتقبيل يده ؛ مع أني أشك أني قادرة على خط خطوة في اتجاهه إن رأيته فعلا ؛ فلا زلتُ تلميذته التي تخجل من كل شيء حتى كأنه كاد يصبح مرضا ؛ لم تفعل السنين بي في هذا الاتجاه تغييرا.. لا أدري حتى إن كنت قادرة على قول أهلاً وشكراً له ؛ لأن الأمر أكبر من شكراً الآن وأنا معلمة تحملُ من نفسِه الكثير .. ةتسير على نهجهه في الكثير
كثيرون هم من مروا بي من طينته ؛ قليلٌ من كان لهم تأثيرهم السيء ؛ أو لعلي لا أعتبره سيئا لأني أصبحت أتفهم ما كان منهم بنضج أكبر ..

الأكثر ارتباطا


هذا الأستاذ ؛ هو ذاته الذي قال لصديقتي ” هداري أصبحت معلمة ؛ كُنا نراها أكثر من ذلك ” .. هو ذاته الذي لن أوفيه حقه الآن ..هو ذاته وغيره يجعلونني أشعر بالحياء حين أقصر ..هُم هذا المنبه الذي يعبث في الجانب الأيسر من نبضنا ؛ ويصرون أن يذكرونا بهم حين نُخطئ ؛ حين نغفل أننا معلمين بمراتب رسل .. هو ذاته الذي ربّما هناك غيري من يعتقده أستاذا عاديا ؛ وربما دكتاتورا ؛ وربما لم يعنٍ لآخرين شيئا …
وهذا ما يحزن في كونك تحملُ شارة مدرس … فأنت ربما كل شيء لأحدهم ولا شيء لآخرين إلا أن تكون خدشاً لا يبرأ لمُنتكس ؛ وربما خيطُ رفيع من الألم والأمل لآخرين ..
أعلمُ الآن أننا بعد سنوات أن السكاكر التي نقدمها لأطفالنا؛وتاج ورقٍ وسواراً وأي هدية مدعاة للسخرية الحلوة بعد سنوات ؛ وربما كانت قرباناً يشي بأننا نهتمّ بنفسياتكم رغم كل شيء ؛ وأن كل ما فعلنا أننا حاولنا أن نقضم لكم ممن أحببناهم قطعة حلوى ربما تذوب في صدوركم رأفة ورحمة قبل أن تحاسبونا
…نحنُ مزيج ألم وأمل كأي إنسان آخر

حياتنا أبسط من أن نحكم على الأشياء بثمنها الظاهر ؛ وأعمق من نأخذ حكما بالنفي من قاموسنا الإنساني على إنسان حين لا يروق لنا ما فعله معنا ؛ لانه ببساطة ربما قد قدم لغيرنا حياة ..حياة بكامل معناها ..نحتاجُ فقط أن نتخلص من أنانيتنا بقليل من التفهم ..