أن تحمل قضية…

1٬271

أتابع مسلسل “قيامة أرطغرل” منذ حلقاته الأولى، وحتى قبل أن يذيع صيته بالشكل الحالي، شدني إليه كثيرا منذ بدايته، لما يحمله من رسائل عميقة وإسقاطات على واقعنا الحالي، مثله مثل مسلسل “السلطان عبد الحميد”…أرطغرل غازي لم يكن فقط مجرد زعيم قبيلة ذي كاريزما، لكن قبل كل شيء كان صاحب قضية. في حلقة الأسبوع الماضي ثمة مشهد رهيب جد مؤثر…المشهد يصور أرطغرل بعد انفكاكه من الأسر وعودته إلى قبيلته، ومقاومته الخيانات بحزم وإنقاذه للسوق عصب الاقتصاد من سرقته عن طريق البيع، وبالتالي إنقاذ قبيلته من التهجير الذي خطط له سعد الدين كوبك…بعد كل ذلك، يرجع أرطغرل إلى قبيلته موبخا أعيان القبيلة الذين تذرعوا باعتقاد موته لقبول صفقة بيع السوق والمبادئ بالذهب، حينها يصدح فيهم قائلا «حتى لو متُ أنا، فإن الدعوة لا تموت”

 

.

هذا المشهد بالذات ، المفروض يُدَرَسْ .. أقوى مشهد في المُسلسل خلال مواسمه الاربع

Posted by ‎Diriliş Ertuğrul قيامة أرطغرل‎ on Friday, November 24, 2017

كانت كلمات قوية ورائها قضية كبيرة قائمة على دعوة الحق وإقامة العدل ونصرة المظلومين، فأثمرت دولة عمرت 7 قرون وحملت فيها لواء الإسلام حتى تكالب عليها الأعداء والخونة…
فأن تحمل قضية، يعني أنك تضع نفسنك في الصف الأول في معركة الحق والباطل، وأنك اخترت الدفاع عن ثغر من الثغور في المكان الذي تفهمه وتضبطه، وتتحمل حينها مسؤولية الإتقان والإبداع وأخذ زمام المبادرة في ذلك الثغر…وهذا الموقع المتقدم قد يجلب من المناصرين للقضية، كما يجذب إليه أعداء يحاربون القضية بضراوة، لا يوقفها إلا الثقة في عدالة القضية والعزيمة والثبات…
أن تحمل قضية، هذا يعني أنك قررت فعلا أن تستكمل إنسانيتك التي تدعوك أن تكون ذا مشروع يعود بالنفع على البشرية، فتصبح بذلك قائدا فاعلا، لا مفعولا به، فتصنع حاضرك ومستقبلك لك ولغيرك، ولا تنتظر من غيرك أن يصنع مصيرك…
أن تحمل قضية، يعني أنك قد قررت أن تنحت لنفسك مكانا في هذا الوجود، وتجعل من سنوات عيشك، قلت أو كثرت، خالدة في لحظتها وفي أثرها، فتكون بذلك من الذين يضعون بصمة في تاريخ البشرية، وتجعل لك فيه اسما يزاحم عظمائها…هذا الخلود الأبدي الذي تصوره آية كريمة بوصف رقيق في قوله تعالى: (وأن سعيه سوف يُرى، ثم يُجزاه الجزاء الأوفى) هذا الخلود المحمود الذي يجعل حياة صغيرة من 60 سنة تدوم عقودا بل قرونا من الخير للبشرية، وأجرا وثوابا غير معدود.
أن تحمل قضية، يعني أن تتجلى فيك قيم خاصة، أولها الإيمان العميق بالقضية حتى حدود التضحية بكل شيء في سبيلها، وثانيها الصبر المثابرة والنفس الإيجابي الطويل الذي لا يكل ولا يمل أبدا، وثالثها الإخلاص للقضية في السر والعلن، ورابعها التواضع باستمرار بين يدي من تخدمهم قضيتك والشعور بالتقصير دوما اتجاههم، وخامسها التفاؤل الذي يغذي جذوته باستمرار نبل القضية…
أن تحمل قضية، يعني أنك قررت أن تحارب من يستعبدونك بطريقة أو بأخرى، ويجعلونك حبيس عمل تأخذ مقابله أجرا في آخر الشهر، فلا تصبح أسير شهوات تشترك بها مع الكائنات الأخرى من أكل وشرب ونوم، ويصبح للحياة طعم آخر في التحدي وخدمة البشرية، وينقلب ذلك إلى شعور عظيم بالسعادة والرضا الداخلي وإدراك حقيقة الحياة التي تصبح حيوات أخرى بقدر من تشمله القضية…
أن تحمل قضية، يعني أن يكون كل كيانك وأفكارك وخلايا ذاتك مركزة في مسألة واحدة، ولا يعني ذلك أبدا فتح جبهات كثيرة تضيع فيها جهودك وقوتك سدى…قضية واحدة فقط تشغلك بشكل مستمر، وتجعلك تركز كل طاقتك من أجل وضع قطعتك الخاصة في رقعة “البازل” الكبيرة…
بعد كل هذا، لا بد من دراسة سير العظماء أصحاب القضية الذي خلدوا إلى الأبد وفي مقدمتهم سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم التي امتدت قضيته 14 قرنا ولازالت، ثم لا بد من وقفة تأمل كي تسأل نفسك في لحظة اعتراف ومصارحة: ما هي قضيتي؟ وما هي السبل لتحقيقها، وبأي طريقة؟ لا ريب أن تحديدها يجب أن يكون دقيقا يتناسب مع قدراتك وكفاءاتك، ثم ستكون بعد ذلك موضوع رؤية طويلة الأمد كفيلة بتطبيقها على أرض الواقع…رؤية بمثابة مشروع الحياة التي تحياها على وجه هذه البسيطة…