أن تكوني أُمّا عاملة.. بين الطموح والواقع

1٬270

لم أكن أتخيل يوما أن الطموح يمكن أن يكون عدو الإنسان ويرمي به في دوامة من الأسئلة المتناهية والحيرة والشكوك التي تقض مضجعه. لتصبح الحرية وهم الاختيار وحسب ويصير الشخص الذي يعتقد أنه حر وأنه سيد نفسه حبيس العديد من الاختيارات التي أحلاها مر. أن تكون لك اختيارات عديدة يعني أن تحرم نفسك من وضع كنت تحلم به لمدة من أجل أن تعيش في وضع آخر لست متأكدا البتة من صحته.

أن تفعل أو ألا تفعل، أن تكون أو ألا تكون، أن تقوم بشيء دون أن تترك الفرصة للشيء الآخر لأنك فعلا صرت حبيسا لاختياراتك الشخصية. ومهما كان قرارك فستفعله وأنت تفكر بحسرة في الاحتمالات الأخرى. ماذا لو فعلت كذا ولم أفعل كذا؟ ماذا لو كان ما اخترته الآن وهما وزيفا؟ ماذا لو ندمت على أشياء فعلتها وأشياء لم أفعلها؟

“أن تصير الفتاة الحالمة المفعمة بالحياة والطموح والإرادة والعزيمة أما”، جملة جميلة يزيدها جمالا رنين كلمة “أمّ” في نهاية الجملة بعد الأحلام والإنجازات، حلم جميل يراود كل من تشبعت بالأحلام منذ نعومة أظافرها رغبة منها في تغيير الأوضاع وتحدي العراقيل سواء كانت مادية أو معنوية كالفقر والجهل والعقليات وبعض الأوساط التي لا زالت تعاني من لُبْس في مفهومي الذكر والأنثى، وليس الذكر كالأنثى، لأنهما مهما تشابها لن يتطابقا مطلقا. هذا لا يعني أن أحدهما أفضل من الآخر لكن طبيعة كل منهما تختلف عن الآخر وهذا ما يجعل منهما كائنين مختلفين ومتكاملين لا تستقيم الحياة بدونهما.

أن تدرس الفتاة وتشتغل وتتزوج أو يكتب لها الزواج قبل إتمام الدراسة، ثم تنجب بعد أن تشتغل أو تنجب قبل أن تجد عملا خارج البيت. عمل يلبي حاجاتها ويرضي طموحها المستعر، عملها الذي يمنحها الاستقلالية والرضى ويطمئن أبويها اللذين شقيا عمرهما بالكامل لإنجاحها وإيصالها إلى بر الأمان. لأن الأوضاع لم تعد سهلة، وخير شيء تستند عليه المرأة عندما يغدر الزمان وظيفة مستقرة تعطيها قيمة، لا تشتكي من ترهلاتها إن هي تقدمت في السن، ولا تخونها مع فتاة في الثامنة عشرة إن خفت بريقها وافتقدت تلك الأنوثة والجمال اللذين كانت تنعم بهما منذ زمن ولى بعدما أنجبت أطفالا كبروا وغادروا واعتنت بزوج لا يزال طفلا لعقود وأنجحت نظام منزل لم تكن تغمض جفنيها حتى ترتب آخر رقعة فيه.

لكن الرهان الحالي هو كيف تستطيع الأم أن تفعل هذا كله دون أن تهمل أحد الأطراف التي تشكل جزء لا يتجزأ من حياتها؟ أن تنجب وتعتني برضيعها الأول والثاني وربما أكثر، تعتني بزوجها وتحافظ على جمالها وأناقتها، تطعم أطفالها وزوجها أحسن المأكولات، تهتم بنظافة المنزل وتحافظ على الأركان النظيفة والشراشف المغيرة وحوض الأواني النظيف الفارغ والحمامات المعقمة والملابس المرتبة المكوية كل يوم.

أن تعمل خارج البيت بدوام كامل حتى تضمن استقلاليتها المادية وتساعد زوجها في مصاريف البيت، تخرج من المنزل بعد طلوع الشمس وتعود إليه بعد غروبها بعدما تحملت ضغط العمل والمواصلات والاكتظاظ وتطمئن بدل المرة عشرين على فلذة كبدها في الهاتف، لتتكلم مع مربيته وتسألها عن أكله ودرجة حرارته وصوت أمعائه وطعامه، ومع ذلك لا يرتاح لها بال حتى تعود إلى البيت مساء لتنزع لباس المحاربة خارجا وترتدي بذلة المحاربة داخل البيت لتبدأ رحلة تزداد صعوبة مع ازدياد عدد الأطفال وتضاعف حاجياتهم المادية والمعنوية.

تجدها تتحرك كالنحلة داخل خليتها، لا تترك مكانا إلا وتمر فوقه، تطبخ وتكنس وتغسل، تعانق طفلتها الصغيرة التي سقطت على الأرض لتهدئ من روعها وتقضي معها بعض الوقت، تدرس طفلها الأكبر اللغة الإنجليزية، وتراجع معه دروسه، وتلاعبهما هما الاثنين ضاحكة متناسية آلام الظهر الفظيعة التي تسبب فيها حملها بطفلها الثالث وشعورها بالتعب والغثيان.

ترافقهما يوم إجازتهما لممارسة السباحة والشطرنج أو غيرها من الهوايات التي صارت ضرورية هاته الأيام، تحاول تحفيظهما ما تيسر من القرآن مساء قبل أن تحكي لهما حكايات النوم لتشق طريقها إلى المطبخ بعد نومهما وتقوم بكل تلك الأشياء التي تعذر عليها فعلها عندما كان طفلاها مستيقظين. تطبخ لهما وجبات اليوم الموالي، تضعها في الثلاجة، تضع الأواني في غسالة الأواني إن كانت محظوظة بعض الشيء أو تغسلهما بالماء البارد في حوض المطبخ إن كانت أقل حظا. تخرج الملابس المغسولة من الجهاز، تكوي الناشف منها ثم تضع ملابس أخرى متسخة داخل آلة الغسيل وهكذا دواليك.

ثم إن عليها أن تحافظ على رشاقتها وجمالها وضحكتها وشعرها المصفف وتظل تلك الحسناء الودود في عيون زوجها رغم كل شيء لتبدأ حياة المحاربة مع كل صيحة ديك أو قبلها، فتمر الأيام بسرعة وتكثر المسؤوليات وتجد نفسها أمام مرحلة جديدة من المسؤوليات اللامتناهية. هذا دون أن نحتسب تأنيب الضمير الذي يصيب جميع الأمهات العاملات أو الطالبات دون استثناء، خلال كل ثانية تقضيها بعيدا عن فلذة كبدها، وهو في حضن آخر غير حضنها سواء كان حضن العاملة في الحضانة أو المساعدة المنزلية التي تركت هي الأخرى أطفالها بمعيّة شخص آخر لتشتغل وتكسب قوت يومها لأن الظروف حتمت عليها ذلك. فتسأل نفسها كل يوم، هل أقدم استقالتي وأهتم بصغيري بنفسي أم أتحمل مسؤولية قراري وأكمل المسيرة التي بدأت منذ زمن؟ فتقرر مع نهاية اليوم ومع كثرة الضغوط ماذا ستفعل لتشرق شمس يوم جديد وتنغمس في نفس التساؤلات التي طرحتها بالأمس وقبل شهر، ومنذ أن أصبحت أما.

هل حلمي هو أن أكون أما صالحة تقضي كل الوقت مع طفلها؟ أم أن أشتغل خارج البيت وداخله وأتعب كل هذا التعب من أجلي ومن أجل أطفالي؟ هل أنا أم صالحة حقا؟ هل سيغفر لي أبنائي أنني جعلت امرأة أخرى تربيهم عندما كانوا في حاجة ملحة لحضني وتفهمي ورعايتي مع دوام كامل؟ تظل تطرح الأم العاملة نفس السؤال على نفسها، لتستقيل من عملها وتعطي كل شيء لزوجها وأبنائها لأن نجاحها في رأيها هو نجاح أسرتها في بعض الحالات، بينما تكمل أخريات معركة ثلاثية الأبعاد، مع النفس والبيت والشارع.

كل واحدة تلبس القالب الخاص بها لأن الحياة لا يجب أن تعاش حسب قالب فريد من الضروري لباسه، بل قوالب عديدة وألوان مختلفة كل يرى نفسه في واحد منها. تستمر معركة الأم المناضلة ويستمر كفاحها المستميت مضحية بنومها وراحتها لإنجاح عشها وعصافيرها الذين يظلون صغارا رغم تقدمهم في السن. لا تفكر فينفسها مطلقا وحتى إن فكرت يكون ذلك آخر شيء تفكر فيه.

لا يمكن لأي شخص أن يحاسب أما على اختيارها في الحياة لأنها تعرف الوضع أفضل من كل الذين ينظرون من الخارج فقط. ولا يمكن لأحد أن يتهم أما موظفة بأنانيتها ولا أما فضلت البقاء في البيت لتربية أطفالها بالكسل والتهاون والتضحية بحياتها المهنية من أجل أطفال وزوج ربما سيرحلون يوما. لا يمكننا أن نحاكم أُمّا عُرفت بالإيثار ونكران الذات لأن حب الأم لأطفالها أكبر منا ومن أحكامنا المسبقة جميعا.

Comments are closed.

%d مدونون معجبون بهذه: