أزمة وطن :

510

بين الأمس و اليوم ، بين ماض أَجبر أجدادنا على الخضوع و الإذعان للأمر الواقع ، وحاضر لا تبشر معالمه بالخير لجيل مسلوب الإرادة منغمس في وحل عالم آخر ، عالم افتراضي لا أساس له من الصحة ، وبين مستقبل لا نعلم فيه بأي أرض سنكون أو بأي أرض سنموت ، اختلفت الأسباب وكانت النتيجة واحدة : إنها أزمة وطن . هذا الوطن الجريح الذي كلما بادرت بتصفح ثنايا تاريخه وجدته مكدسا بالكلام الموزون المرصع بأحجار نفيسة – كأنه طقم حلي أعد ليبقى حبيس الخزانة ، لا رقبة تجرؤ على احتضانه ولا يد تجرؤ على زحزحته من مكانه – تحكي عن نصر محقق وجهد عظيم لبناء بلد أعظم ، تاريخ جل ما يقال عنه أنه ترك ليزين رفوف المكاتب ، إنه مؤلف تاريخي يقول في عز الصمت والسكون ” أنا هنا ، أنا ماضيكم الخالد ” ، لكن لا يصل صداه لأحد سوى للكتب التي تجاوره وتقاسمه تلك الرفوف المتسخة التي اتخد منها الغبار منزلا ، كيف لا تسمع أنينه وهي من تشاطره نفس المصير في حين من كان المبتغى آذانه لم يصله من صداها ولو رنين كلمة ، إنها آذان احتلتها سماعات الهاتف ألقت بها تعويدة أغان كلها تحت عنوان ” كيف تصبح من بين أعظم البؤساء والسفهاء ” لا مغزى منها سوى قهر العقول والنفوس وتتبيث معالم التبعية ، التبعية لمن ؟؟ للأمانة لا أدري ، لكنها جعلتنا بدون انتماء ، بدون هوية ، بدون وطن .

- الإعلانات -

تاريخنا هذا رحل وارتحل بين شطآن الحياة ، ولم يجد له في حاضرنا أي مرفأ يدنو إليه ، كيف لا ومن كانوا الأمل اتخذوا من زوارق الموت أجنحة يطيرون بها إلى وطن آخر وانتماء آخر، لا بكاء أهاليهم برادعهم عما كانوا عليه بعازمين ، ولا لتكلفة حبهم لوطنهم بدافعين ، إنه عشق القارب المطاطي الأسود الذي يحمل في طياته أحلامهم وأحلام أهاليهم ، أحلام وردية تأمل وترجوا واقعا أفضل ، ها هم ذا يركبون الهواء داعين لبعضهم بالسلامة ، متمنين أن تمر عليهم أمواج البحر كقطرة ماء في أرض قاحلة بحيث لا يوجد لها أي تأثير ملحوظ ، لكن هذه القطرة لوحدها كفيلة بقلب قاربهم هذا رأسا على عقب ، رغم خوفهم المتمثل في وجوههم الشاحبة ونظراتهم المرتعبة وأفواههم المغلقة التي تأبى الكلام بالرغم من الكم الهائل من الضجيج الذي يسطوا على كل خلية مجهرية مكونة لهم ، إلا أن قرارهم هذا لا رجعة فيه لان وجهتهم هي الجنة في أعينهم ، من الممكن لهذه الجنة الموجودة في أحلامهم أن تصبح حقيقة في بعض الأحيان ، لكن لفئة نادرة فقط معدودة على رؤوس الأصابع ابتسم لها الحظ وأزاح عنها عبء السنين الخوالي ، أما من تبقى فتصبح في أعينهم جحيما أبديا لكونهم جعلوا من أنفسهم قربانا لآلهة الغربة ، رحلوا وتركوا في القلب غصة كلما أوشكت على الخمود انطلقت منها شرارة جديدة أوقدت معها كل ما فينا ، لذلك اسألوا المحيط لعله يخبركم بقصص من احتضنهم لوقت طويل ، لعله يذكر لكم أعدادهم الهائلة ، لعله يحكي لكم تفاصيل كلماتهم الأخيرة ، هل ندموا ؟؟ هل دعوا الله وتضرعوا له طالبين منه السماح والغفران ؟؟ ما هي آخر صورة رأتها أعينهم قبل أن يودعوا السماء ويلقوا التحية على من سبقهم إلى جوف المحيط ؟؟ كل هذه أسئلة متجاوزة بينما يبقى السؤال الأهم هو : هل استحق الهرب من هذا البلد كل هذا العناء ؟ أم أن واقعهم كان أصعب وأمر من أن يعاش ؟؟ للصراحة لا أستطيع العزم على الإجابة عن هذا السؤال بالنفي أو الإيجاب ، لان الظروف تختلف والنفسيات والمبادئ كذلك ، لكني على الأقل لا أستطيع لومهم ، بحيث لو تأملنا بإمعان لواقعنا اليوم لوجدنا مجتمعا يصرخ من هول التناقضات ، مجتمعا كان ولازال النعيم فيه للجبابرة والجحيم للضعفاء ، الحقوق لهم والواجبات لنا ، مجتمعا يقدس الأقوياء ويحقر أبناءه ، مجتمعا همه الأول من تكون ؟ ابن من ؟ وكم لديك من المال ؟ وليس ما ستجود به عليه من فكر منير ومشاريع بناءة تكون فيها المكاسب مشتركة ، مجتمعا يصعب فيه الوصول إلى ضمان لقمة العيش ، بل وجب اختلاسها من بين أنياب الأسد في عز جوعه لعلها تكون مكسبه الوحيد في هذه الحياة ، وبالتالي فهذا الوضع شئنا أم أبينا سيخلف لنا أزمة عارمة لا مفر منها ، شبابا عاطلا عن العمل ، تفكيرا ضائعا ، أسرة مهشمة ، واقعا مظلما ، ومستقبلا مجهولا ، كل هذه العوامل تدفع الشخص لا محالة إلى التفكير في حل بديل ، ومن البديهي أن يكون هذا الحل هو الهجرة سواء بطرق مشروعة أو غيرها ، الحل هو أن يتخذ من الغربة وطنا وميلادا جديدا ما دامت تضمن له ولأسرته سبل عيش كريمة ومحترمة ، فوا أسفاه على واقع أصبحت فيه الغربة وطنا يحسد عليه الإنسان ، في حين أصبح الوطن جحيما يتلصص منه .

- الإعلانات -

- الإعلانات -