العربية: لغة أم لسان؟

100

مما لا مجال للاختلاف فيه أن أساس نهضة أي أمة هو لغتها، ولذلك شواهد، من الواقع والتاريخ، فمثلا هناك دول كانت متخلفة، لكنها بإحيائها للغتها استطاعت أن تُبعث من جديد: كأندونيسيا، بلغاريا، الصين، وغيرهم من الدول، وفي المقابل نجد أن هناك دول اعتمدت التدريس بلغة أمة متقدمة لكنها لم تفلح، كنيجيريا، اعتمدت اللغة الإنجليزية كلغة رسمية، وانظر أين أندونيسيا الآن من نيجيريا، لكن ما الذي يجب أن نحييه حتى ننهض من هذه الهوة التي أطلنا المكوث فيها، هل هو اللغة فقط أم اللسان؟

جاء في الأثار أن العربية هي اللسان، ومن المناسب أن نذكر أن القرآن لم يستعمل لغة عربية، وإنما نجد فيه لساناً عربيا مبينا، فما الفرق بينهما؟ للأسف هذا معنى قلما يتنبه له أحد، فالكثيرون يجهلون الفرق بين اللغة واللسان، وهذا ينبني عليه أمر مهم في تعلم اللغة العربية، ومن خلال معرفة الفرق بينهما، نستطيع أن ندرك ما السبب الذي يجعل الكثير من الشباب يتهربون من اللغة العربية، باعتبارها لغة جافة ولغة القواميس، وأنها لغة قوم بدو رحل، فما الداعي لتعلمها!.
يذهب الدكتور فريد الأنصاري رحمه الله إلى التفريق بين الأمرين، فيقول:
اللغة هي عبارة عما يتلفظ به الانسان لأن جدر ” ل غ و” يرجع معناه إلى الأداء الصوتي، ولذلك نجد إبن جني يُعرف اللغة في كتابه الخصائص بقوله: هي مجموعة أصوات يُعبِّر بها كل قوم عن أغراضهم، وهذا نصف العربية.
وأما اللسان العربي، فهو معنى أشمل من اللغة وبه تكتمل، فاللسان، عضلة يُعبر ويُبين بها الإنسان عن مكنونات نفسه، وبها يُعبر عما يراه ويُشاهده، بسبب القدرة التي أودعها الله فيها على البيان، وبالتالي فاللسان العربي، يعني الجانب الثقافي والنفسي، وهذا معنى أشمل، وهو مقصود القرآن في تعبيراته عندما يتحدث عن إنزال القرآن بلسان عربي، لكن هذه معان كلها كلها هُجرت.
إذا كنا تحدثنا عن أن لسان كل أمة هو سبب نهضتها، فاللسان العربي، يستحق الاحتفاء به لذاته ولو بدون غاية النهضة، وذلك لما أُودِعَ فيه من خصائص يعز وجودها في غيره، لكن للأسف الكثير من الشباب يربطون حبهم للعربية بالعاطفة، بكونها لغة الجنة والقرآن، وبذلك فهم يُولُونها بعض التقديس لكنهم لا يسعون لتعلمها وفهمها، أو بتعبير أدق لتذوق جماليتها، فالخصائص الذاتية لها كثيرة، راقتني بعض النقاط التي نبه عليها الدكتور مصطفى محمود رحمه الله وهي:
أولا: أن العربية غنية من حيث الجدور، إذ يوجد فيها حوالي ستة آلاف جدر لغوي، بينما اللغات الأخرى يوجد فيها ما بين مائتا إلى أربعة ألف جدر لغوي فقط، فهي لغات فقيرة حسب تعبيره.
ثانيا: من حيث عدد الحروف، فالعربية هي أكثر اللغات حروفا، بل وفيها حرف لا يوجد في غيرها ولذلك سميت به، وهو الضاض.
ثالثا: من حيث المفردات، فاللغة العربية في هذا الجانب هي أكمل اللغات، إذ لو اطلعت على معاجمها ترى العجاب، حتى إن الفيلسوف الفرنسي إيرنست رينان، الذي ألف كتابا يدرس فيه اللغات السامية وجعل في مقدمتها اللغة العربية، تعجب عندما نقل عن أحد أساتذته الذي أحصى حوالي خمسة آلاف وستمائة وأربع وأربعين كلمة تصف فيها العرب الجمل وشؤونه فقط!، ومعلوم كم للأسد والفرس والداهية..الخ
رابعا: الغنى في الاشتقاق وهذا يعطي سعة للمتكلم بها في التعبير عما يريده، خلافا لمن يتصور أنها جامدة، وهذا باب واسع يفتح المجال أمام المجامع اللغوية، التي تغني من خلاله العربية.
خامسا: التعبير عن معاني كثيرة بألفاظ قليلة، واللغة العربية من هذه الناحية فيها العجب، حتى أن فيها حرفاً واحداً فقط يؤدي معنى ك قِ فعل أمر من وقى، وأوتي صلى الله عليه وسلم جوامع الكَلِم، فكان يذكر معاني كثيرة بألفاظ قليلة.
سادسا: ذاتية الحرف ورمزيته، إذ كل حرف بانفراده، له دلالة ومعنى، ولذلك نجد كثيراً من الكلمات التي تؤدي معنى معينا تكون بنفس الحروف تقريبا.
هذا غيض من فيض كما يقال، لكن ينبغي التنبيه إلى أن هذه المعاني كلها تعود للعربية باعتبارها لغة وليست لسانا، ويمكن أن يضاف لذلك الهندسة الصوتية لها، وفي هذا الجانب للعربية موسيقى راقية ورائعة، وللعربية باعتبارها لسانا خصائص كذلك، لما تحمله من معاني وقيم سامية، تُبين عن فطنة وذكاء، وأخلاق كريمة كان يتصف بها العربي، ولذلك يقول حسن أوريد فيما معناه نحن تعلمنا العربية باعتبارها ثقافة وليس مجرد لغة!.
لكن ما الذي يجعل الكثير من الشباب يولي العربية ظهره؟ حتى إنك لتجد شابا حصل على شهادة الثانوية وهو لا يستطيع أن يركب جملة عربية سليمة!، القليل من الذين يمتلكون قدرة على الكتابة هم الئك الولوعين بمطالعة القصص والروايات، لم لا تكون مدارسنا تُخرج طلابا في المستوى يحسنون حديث وكتابة العربية بسلاسة وطلاقة؟ لا شك وأن الخلل فينا وفي مناهجنا المعوجة، نتيجة تخلفنا وليست المشكلة في اللغة.
كلنا يتذكر سنوات طفولته في الابتدائي، وبعدها الاعدادي، ثم الثانوي، وكلنا يتذكر كذلك كم من قاعدة نحوية وصرفية وبلاغية تلاقاها، لكنه عندما يأتي للكتابة أو الحديث بالعربية لا يستطيع، وذلك يرجع إلى الخلل الذي تُدرس به العربية، فهي تدرس عن طريق القواعد ولكن للأسف هذه القواعد مثل النحو، والصرف، هي قوانين أُنشِئت لحفظ اللغة وليس لتعَلّمها، ومع ذلك، فهي لا زالت تعتمد أسلوباً قديما، المبني على الحفظ والتلقين فقط، وباختصار، فالقواعد تُعلّمك اللغة ولا تُعلمك اللسان.
ولذلك إذا ما أردنا أن نتعلم العربية، فيجب أن نتعلم اللسان، وليس اللغة فقط، وأهم أمر لتعلم اللسان هو تعلم القواعد باعتبارها تخدم اللغة، والذي هو معنى أخص للعربية، لكن الأهم هو دراسة الأدب العربي، والجانب الأهم منه النثر وليس الشعر، لأن الشعر فقط يعطيك معاني المفردات، لكن النثر، هو الذي يريك كيف كان يفكر العربي، وكيف كان يُعبر عما يَختلج بذهنه، وما يعتريه من مشاعر وأحاسيس، إذا تعلمنا اللغة بهذا المفهوم سنكتسب ما يسمى بالملكة اللغوية، وبذلك يستطيع أي أحد منا أن يُعبّر عن أي شىء يراه أو يشعر به بعربية سليمة، سديدة، وفصيحة، وبالتالي سنتذوق معنى العربية الجميل، ونتشرب معانيها الراقية فتغدوا غريزة فينا.

Comments are closed.

%d مدونون معجبون بهذه: