فكر قبل الإرتباط .. !

534

دائماً ما أشاهد مواقف لأباء مع أبنائهم ، مواقف أبحث فيها عن أدق التفاصيل التي قد تجيب عن سؤالٍ يراودني منذ زمنٍ بعيد ، ما الذي يدفعنا لنكون أباء و أمهات .. ؟

جيل مسؤول عن جيل أخر .. !

 

إن رغبتنا في أن نكون أباء و أمهات ، هي رغبة تفوق كل الوصف ، و سمو هذه الرغبة بداخلنا تختلف من شخص لاخر ، تختلف حسب فهم المرء منا للأبوة و الأمومة ، فمنا ما يرغب في بناء أسرة تكون عالمه الذي يأويه عند عودته مساءاً الى البيت ، و منا من يرغب في إشباع غريزة الأبوة و الأمومة ، و منا من يخشى غدر الزمان حينما يكبر فيخاف أن يظل وحيداً بِلا أنيس و لا معين ، كل منا ينظر للأمر من زاوية تواجده في هذه الحياة ، فلا قانون يوحد رغباتنا التي تتغير بتغير أدق تفاصيل مجريات حياتنا .

تظل هذه الرغبة تراودنا منذ أن أدركنا أن كل إنسان في هذه الحياة لابد له أن يرتبط في يوم من الأيام ، فيجد كل من رجل و امراة توحدت روحيهما أنه آن الأوان لتوحيد حياتهما مع بعضهما البعض عن طريق إرتباط أبدي مدى الحياة .

هنا تبدأ حكاية إثنين ، و تبدأ معها حكايات جيل أخر ، جيل سيكون كل من الأبوين المسؤولين عنه في أدق تفاصيله ، في نجاحاته و إخفاقاته ، في أحزانه و أفراحه ، في صحته و مرضه ، و أشياء أخرى لن ندركها إلا عندما نكون في موقف كان بالأمس مجرد رغبة فأصبحت الأن حقيقة ، حقيقة معناها أنك أب و أنكِ أم بين يديكما أرواح بشرية تفكر و تحس .

 

ما معنى أن تكون أب أو أن تكوني أم .. ؟

 

المعنى هنا لا يُدرك بالكلام و لا بالمشاهدة و لا بسماع القصص ممن لهم أبناء ، فحينما نسمع حكايات أباء و أمهات عن يومياتهم مع أبنائهم نكون ساعتها فقط في موقع لا يسمح لنا بالرؤية الحقيقة للأمور و لا بإدراك حجم المسؤولية التي على عاتقهم ، مسؤولية تبدأ عند إتخاذ قرار الإنجاب الذي حتما سيكون قرار مشتركاً بين زوجين دار بينها ألف حديث و حكاية .

فيجد كل من الزوجين نفسيهما ذات صباح أنه قد إنضاف إليها دور أخر من أدوارهما في الحياة ، دور الأب و الأم ، دور لا يحتاج إلى تداريب مسرحية لأنه ليس بمشهد تمثيلي ينتهي بمجرد إسدال ستار المسرح تحت تصفيق الجمهور ، لأنه بكل بساطة لن ينتهي إلا بنهاية أخر نفس يخرج من دواخلنا ، لكننا سنتقن هذا الدور مع مرور الأيام ، و سنحبه بكل ما نحمله من حب و أملٍ فينا .

 

ستبدأ حكاياتنا مع أبنائنا في سنواتهم الأولى ، سنوات الإهتمام بأدق تفاصيل أجسادهم و تقلباتها ، و دوامة الأسئلة التي تدور بين الأبوين حول صحتهم ، هل هم بخير .. ؟ ، و نظل نركض بين هنا وهناك للبحث عن الإجابة ، و تكبر الأسئلة حولهم ، فنسأل الأهل و الأصدقاء ممن سبقونا في خوض هذه التجربة ، فنطمئن عليهم حينا و نخاف أحياناً أخرى ، نقبلهم فرحا حينما ينطقون كلمتي ( أمي و أبي ) ، و تعترينا دوامة الخوف في ليلة شتاء حينما يصرخون فيها بسبب ارتفاع درجة حرارتهم فنجد أنفسنا أمام أمر لا يحتاج التأخير ، فنتمنى لحظتها أن نصاب نحن مكانهم ، فنهرع الى الطبيب دون أن نرى إن غيرنا ملابس نومنا أم لا .. ؟

 

الأكثر ارتباطا

نتنهد حينما يطمئننا الطبيب أن كل ما في الأمر هو أن صغارنا قد بدأت أسنانهم في النمو ، فننظر لهم بحب و الإبتسامة تُرسم على وجوهنا من جديد ، لنبدأ معهم حكاية جديدة بنفسٍ جديد .

 

هذا فقط مشهد واحد من المشاهد التي قد نعيشها حينما نكون داخل مشروع التربية ، مشروع قد لا نملك له رأس مالٍ و لا وسائل تساعدنا على إقامته بطريقة صحيحة ، و هذا أمر قدر نكون بسببه غير مؤهلين بأن نكون أباء و أمهات الجيل القادم ، لأن عملية التربية لا تحتاج فقط الى عملية جنسية بين ذكر و أنثى لتكون سبباً في إنجاب إنسان  أخر  ، فالأمر لا يأخد من هذا المنطلق الذي تتبناه المجتمعات التي ترفع من معدل ولاداتها و تهمل رفع معدل وعي أفرادها و عدم تبني أفكار تساعدها على بناء انسان ذو فكر و احساس لا مجرد رقم ينضاف الى سجلات الولادة .

 

تجربة أن تكون أب و أن تكوني أم ، تستحق أن تعاش إن نحن جعلنا من أنفسنا ذات باحثة عن سُبل العلم و المعرفة التي ستحمي الجيل القادم ، لكن قبل ذلك سنولد نحن أيضا حينما ندرك حجم الفراغ الفكري و الحسي الذي فينا و الفكر العقيم الذي يملئ عقولنا بأشياء تعيق تقدمنا كبشر يستحق الحياة بمعناها الصحيح ، كلها عوامل كانت بسبب نقص تربية أبائنا لنا ، ليس لتقصيرهم في الأمر بل لعدم فهمهم لما يجب أن يزرع في عقولنا و قلوبنا لأنهم بكل بساطة هم أيضا ضحية لمشروع تربية فاشلة .

 

فلا عيب بأن يكون بيننا و بين جيل الأباء مفترق طرق هم في طريق و نحن في طريق أخر دون أن ننسى فضلهم علينا رغم كل شئ ، لأن عوالم أزمنتنا تختلف عن بعضها البعض ، و رغبتنا فيما نريد الوصول إليه و لما يردوننا أن نكون عليه تجعل من الأمر أشبه بصراع جيلين ، و هذا بسبب الفهم الخاطئ لفكرة التربية .

 

أن نربي ليس معناه أن نوفر شروط العيش من أكل و شرب و لباس و أشياء أخرى ، معناه أننا سنلعب دور الطبيب حين يمرض الأبناء ، دور القاضي حينما يتشاجرون ، دور البنك لرعايتهم مادياً ، دور الموجه حينما يصابون بالحيرة أمام خياراتهم في الحياة ، دور المراقب عندما تتغير معالم شخصياتهم ، دور الصديق حينما تجتاحهم رغبة البوح بقصصهم لنا ، أدوار كثيرةُ بالنسبة لنا و لكن نحن بالنسبة لهم نلعب دور الأب و الأم فقط دون أن يدركوا حجم التفاصيل التي تشغلنا بسببهم .

 

كل هذه التفاصيل يجب أن يفكر فيها كل من يرغب في الإقدام على الإرتباط و حمل هَمِ تربية جيل أخر ، و الإستثمار في مشروعٍ لا ربح مادي فيه ، مشروع ستحتاج قبل الشروع فيه الى البحث و الفهم الحقيقي لمفهوم التربية ، أن تفهم الى أين تسير سفينة مجتمعك التي كلما أبحرت وجدت نفسها أمام أمواج فساد الأخلاق و ضياع القيم .

 

فكونك مربي أو مربية معناه أن القيم و الأخلاق هي أدواتك لتكون أهلاً لبداية مشروع التربية ، أن تخوض أشرس المعارك لتبحث عن معدن ابنك أو ابنتك ، أن تعين نفسك على إعادة ضبط خطواتك أمام جيل ربما لن يرحم الأخطاء التي ستسقط فيها للإبحار به الى بر الأمان .

 

لكن سنجنب أنفسنا الكثير من الأخطاء التي سقط فيه جيل الأباء في حقنا إذا أدركنا  الفهم السليم لفكرة الإرتباط قبل الاقدام على فكرة الإنجاب ثم فكرة التربية كمشروع حياة .

 

إذا فكر قبل الإرتباط .. !