هم ليسوا عباقرة ونحن لسنا أغبياء

3٬929

لا شك في أن التحدّي الذي يواجهه الشباب في بلادنا أو في كل بلدان العالم غير المتقدم أو ما يصطلح عليه بالعالم الثالث هو انعدام التشجيع وضرورة العيش أو التعايش مع وسط تكثر فيه السلبية والشكاوي والأعذار، ويتغلغل فيه الغش والكسل ويقل فيه العمل الجاد والاستعداد النفسي لدفع ضريبة النجاح التي تكمن في الانضباط والصبر على المشقة وتذوق طعم الفشل مرات تلو المرات. بل إن الخطر الداهم الذي يفقد الشاب أمل الارتقاء والتميز في مجاله وهو في أولى خطواته المهنية هي القصص التي سمعها عن محاربة ذوي الطموح ممن تظهر عليهم سمات النجاح والتألق، والذين استطاعوا أن يخرجوا من دوامة الهم والحزن والعجز والكسل المخيمة على الجو العام، حتى ينبطح للواقع المرير ويفشل مع الفاشلين الذين تعج بهم مجالس القيل والقال والكلام في فلان وعلان …

هناك مقولة رائعة للمفكر أحمد زويل تصف هذا الواقع، يقول : “الغرب ليسوا عباقرة ونحن لسنا أغبياء، هم فقط يدعمون الفاشل حتى ينجح، لكن نحن نحارب الناجح حتى يفشل”.
تربية الإنسان في العالم المتأخر تجعله يرى فشله في نجاح الآخرين، عِوَض أن يكون نجاح الآخر محفّزا له لكي ينجح هو كذلك، ومثالا حيّا على أن باستطاعته تحقيق كل ما تصبو إليه نفسه، وتكون عادات المتفوقين وطريقة عيشهم مجهرا يرى بها العيوب والعادات التي يجب عليه أن يتخلص منها إن هو أراد أن يلحق بسفينة النجاة والنجاح؛ لكن تركيبته النفسية تجعله يتجاهل تواجد الناجحين من حوله ويرى بأن كل ما يحدث لهم هو من محض الصدفة لكي يتقوقع أكثر على نفسه، كما يحاول جاهدا أن لا يتفوه بأي كلمة ولا أن يعمل أي شيء قد يزيد من نجاح الغير ولو كان ذلك باستطاعته بل ولو كان هذا الانسان من أقرب أقاربه، لأن ذلك سيزيد من تعميق الفوارق بينهما وتعميق الجرح الذي يدمي قلبه؛ وقد تجده يقرأ في المجالس حديث الرسول “لايؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه مايحب لنفسه”، وقد تجده يقدم النصائح العامة الخالية من المنفعة، ويوهم من يلتقيه بأنه على أتم الاستعداد لتقديم يد المساعدة، ولكن في قلبه مرض لا يشفيه سوى أن يرى كل من حوله في غيابات جب الإحباط وسبات الكسل العميق …

وقد رأيت ذلك ممن طلبت منه تعليمي تقنية فتجاهل ومن كان بإمكانه أن يدفعني دفعة مهمة فتغافل … وقد رأيت ذلك ممن يصنفون الناس إلى صالح وطالح ظنا منهم بأنهم وصلوا إلى أرفع درجات الإيمان ناسين أو متناسين قول الرسول الأمين : “من فرج عن أخيه المؤمن كربة من كرب الدنيا فرج الله عنه كربة من كرب يوم القيامة، ومن ستر على مسلم ستر الله عليه في الدنيا والآخرة، والله تعالى في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه”.
تقدمت الأمم يوم تغلبت عن العقد النفسية المتجلية في سياسة التحبيط الممنهج واتخدت من الإيجابية والتعاون ومساعدة الغير ومشاركة التجارب شعارا لها واستبدلت مفهوم رابح-خاسر الذي يحكم دولنا بمفهوم رابح-رابح أو على الأقل بمفهوم لا ضرر ولا ضرار المتأصل في شريعتنا … واكتمل الإيمان عندما تجاوز المصلحة الفردية وظهر أثره على المجتمع …
يقول مارثن لوتر كينغ : “علينا أن نتعلم العيش معاً كإخوة، أو الفناء معاً كأغبياء”، فسياسة الأرض المحروقة التي تجعل الإنسان المتخلف لا يدعم الآخر حتى ينجح أو أن لا يساهم في ذلك أو أن يقف في طريقه هي بمثابة انتحار جماعي يزيد من تخلفنا وغبائنا لا نحس به إلا عندما نسافر إلى دول تعترف بالجهد وتقدره وتحترم العمل وتقدسه وترفع من شأن الناجح وتوقره وتأخذ يبد الفاشل وتكونه، نفهم حينها لماذا اهتزت وربت وأنبتت من كل زوج بهيج