على أعتاب السنة الجديدة

253

 

لا تفصلنا إلا أيام قليلة عن حلول السنة الجديدة، موعد ينتظره البعض بفارغ الصبر لأنها مناسبة للراحة و السفر و الإحتفال بقدوم سنة جديدة و في طياتها وعود كثيرة و آمال كبيرة بأفراح قادمة.
هي محطة فاصلة بين سنة مضت بكل ما لها و ما عليها و سنة ستأتي و هي حاملة علبا مغلفة لا نملك أدنى فكرة عن ما ستهديه لنا…هي محطة سنغادر فيها كلنا قطار 2017 لنستقيل قطار 2018 محملين بكل ما تمكنا من الحصول عليه في السنة الراحلة من أشخاص يشاركوننا الرحلة و من دروس و عبر و إنجازات مبهرة و أمجاد أحلام تحققت و شظايا آمال أخرى انكسرت، هي تعني لنا الكثير لذلك لا زلنا نأمل أن نملك قدرة خارقة على تحقيقها و إصلاحها في الأيام القادمة، فرغم أنها تُدمينا إلا أننا نقبض عليها بشدة في سبيل أن تشاركنا المرحلة القادمة، فمن يدري، لعل السنة الجديدة تأتي بحلول ناجحة لمشاكل كانت مُستعصية في السنة المتأهبة للرحيل…..هذه هي أمتعتنا التي سترافقنا في القطار الجديد، لحسن الحظ يُسمح لنا أن نحمل ما شئنا و لكن حبذا لو خفّفنا الحمل على أنفسنا بأخذ الضروري و المفيد فقط و حبذا لو تخلينا عن كل تلك الأشياء التي تُعرقل خطواتنا و التي لازلنا نتشبث بها لمجرد أنها كانت ذات يوم تحمل شيئا جميلا في داخلها و الآن صارت عبارة عن علب فارغةَ المحتوى و ثقيلةَ الحمل و التي لن تضيف أي طعم لرحلتنا الجديدة..

في قطارنا الجديد سنركب جميعا، بعضنا لا يملك أدنى فكرة عن الوجهة فهناك من لم ينتبه أصلا إلى كونه قد غير القطار، فالمهم في نظره أنه لا زال يتنفس و سيرحب بكل ما تأتي به الحياة فكل شيء نصيب مُقدَّر مقسوم و ليس لنا فيه من الأمر شيء – في نظر هؤلاء- سوى الخضوع و الاستسلام.

و هناك فئة رغم علمها بالرحلة الجديدة إلا أنها لا تحاول معرفة أي شيء بخصوص المحطة القادمة و لكنها متفائلة جدا و تأمل أن يوصلها هذا القطار إلى الديار بسلام، فقط تأمل، و لا تبالي إن طالت الرحلة أو قصُرت، و لا تُعير اهتماما إن سلكت بها طريقا غير طريقها، فذلك غير مهم فعلى كل حال لا أحد يدرك طريقه في نظر هذه الفئة، لذلك فهي ستحاول قدر المستطاع الاستمتاع بالرحلة و اكتشاف الطرق التي سيسلكها الآخرون قبل أن تصل هي إلى وجهتها التي ستكون حتما رائعة…متفائلةٌ جدا هذه الفئة، فهي تؤمن بتناوب الأيام و تؤمن أيضًا بالنهاية السعيدة التي ستكون من نصيب كل إنسان صبور حتى و إن لم يبذل أي مجهود في سبيل الحصول عليها.

وهناك فئة ثالثة تؤمن بأن كل شيء مقدر كسابقتيها إلا أنها غير راضية إطلاقا عن المنحى الذي تسلكه في الحياة و لكنها في المقابل لا تفعل شيئا من أجل تعديله، هي الأخرى تخضع و لكن بتذمر، تعتقد أن الله أوجدها ليُعذبها و ليبتليها شر ابتلاء من المهد إلى اللحد، تُنكر كل جميلٍ صادفها و كل رحمةٍ من الأهوالِ أنقذتها، ترى في الرحلة القادمة شرا سيصيبها لا محالة و لكنها خاضعة و كأن الشكوى كفيلة بدفع البلوى أو كأن التشاؤم المفرط سيجعل القدر يخجل من نفسه و يكف ظلمه عن هذه الفئة – المبالغة في الاستسلام – و يدعها و شأنها لتنعم بالفرح الدائم الذي تستحقه بدون بذل أي سبب.

و من بين الركاب هناك تلك الفئة التي رغم قلتها إلا أنه يستحيل أن لا تلاحظ وجودها و أنت تتجول بين القاطرات باحثا عن مقعدك، أولئك الواثقون الذين يحملون خريطة الطريق، خريطة تكاد تكون واضحةً معالمُها، للدقة التي رُسِمت بها المساراتُ التي وضعوها لأنفسهم، هذه الطائفة تملك رؤية دقيقة حول كل تلك المشاريع التي تنوي الاستثمار فيها، فلا مكان للعبث و الصدفة في قواميسها، هي تعي جيدا أن كل إنسان مهما صغُر أو كبُر شأنه فهو مسؤول عن جزء كبير مما يعيشه و أن كُلًّا منا يشارك بطريقة أو بأخرى في تدوين قدره و كُلًّا منا يملك المفتاح السري لتصحيح مساره و جعله يتأقلم مع طموحاته و مبادئه و ليس العكس.

سيُثير انتباهك في هؤلاء قلة الأمتعة التي يحملونها، مُحقون هم، فمن الغباء حمل أشياءَ انتهت مدة صلاحيتها و لا غاية منها سوى تشتيت الانتباه و شل الحركة. تملك هذه الفئة من الوعي و اليقظة ما يجعلها تدرك المغزى الحقيقي من الوجود، لذلك فهي تمتنع عن هدر الوقت و الجهد في أشياء لن تجعل من الرحلة أمرا سهلا أو ممتعا. لربما هؤلاء الأشخاص الذين ينتمون لهذه الفئة كانوا يشكلون في ما مضى نواة إحدى الفئات السابقة، لربما كانوا هم أيضا ممن يجلسون مكفوفي الأيدي و يكتفون بالاستمتاع بمتابعة مسيرة الآخرين و هم يحصدون نجاحاتهم، إلى أن أتى عليهم زمن تمكنوا فيه من فك اللغز فغادروا زمرة التابعين ليلتحقوا بثلة أخرى أكثر وعيا يُحتذى بها في ذكائها و حسن تدبيرها.

تمعنت في أحوال كل هؤلاء و أنا جالسة قرب النافذة أمسك بقلمي أحاول أن أجد نفسي بين هؤلاء، شردت و أنا أتأمل قطرات المطر التي تراقص الرياح في الخارج، تمعنتُ في المسارات التي تسلكها هذه القطرات تحت تأثير الرياح و الحواجز المختلفة التي تعترض طريقها و كيف أن منها من تستسلم و منها من تُلح…حتما ستُعينني على تعديل مساري و ترتيب هذا الكم الهائل من الأفكار و الخطط التي يعج بها عقلي، تأملت حصاد سنة تنقصها أيام قليلة لتكتمل، سنة مضت كانت غنية بكل شيء : أهدتني الكثير من الأشخاص منهم من غادرني و منهم من غادرته حين افترقت مساراتنا و منهم من لروعته قررت عدم التخلي عنه في الرحلة القادمة، كما أنها قدمت لي دروسا عظيمة بعضها كان مغلفا بطعم مُر علقم استنزف مني مجهودا كبيرا و أياما و ليالي طوال في سبيل استيعاب الحكمة و بعضها كان سلسا واضحا في الفهم … سأكون ناكرة للمعروف إن قلت بأنها لم تكن سنة جميلة رائعة، أعترف أني أُغادرها و أنا قوية أضعاف أضعاف ما كنت عليه حين قابلتها إلى درجة أنه يُخيل إلي أحيانا أنها كانت طويلة جدا فقد كبرت كثيرا و رغم ذلك لازالت الطفلة المشاغبة ترافقني فهي الأخرى ستقاسمني تلك الرحلة التي أجهل عنها الكثير و لكني أؤمن بنهايتها السعيدة شأني شأن معظم الركاب، فرغم كل شيء أعترف بأني لا أتقن كل فنون التسيير و التدبير، لربما لا أنتمي فعلا إلى الفئة الأخيرة و لكن أدرك جيدا أني أملك من الوعي و الثقة ما يكفي لأنضم إليها في الأيام القادمة، لذلك قطعت وعدا أن لا أجلس إلا في المقعد المخصص لي و أن لا أسلك طريقا غير الذي يناسب طموحاتي الشاهقة و أحلامي المجنونة…
فليس هناك أجمل و أروع من أن تكون أنت و تُقاتل من أجل أن تكون ذاتك و ليس هذا غريبا عنك فقد خُضت معارك شرسة من أجل أن تصنع ذاتك تلك، لذلك تيقن منذ البداية أنك تسلك طريقك التي أبدعت في تخيلها و تعبت كثيرا من أجل جعلها مميزة بطريقة تليق بك و بكل تفاصيلك… صالح نفسك و حدد أهدافك، دعك من الناس و خفف حملك. و قبل أن تخطو عتبة السنة الجديدة دعني أهمس في أذنيك هذه الكلمات الرائعة لأحمد خيري العمري: “ربما مواجهتك الأهم الآن هى مع نفسك.. مع مفاهيمك.. مع استعداداتك..مع حقيقة أنك لا يمكن أن تطلب النصر أو حتى تتوقعه ما لم تراجع مفاهيمك عن كيفية الوصول له.. عن أن الله لن يمدك بالعون ما لم تعن أنت نفسك بنفسك أولاً…عليك أن تفعل الممكن إلى أقصى حد ممكن قبل أن تمد يدك بالدعاء…ربما بعدها … تكون مواجهتك اللاحقة مختلفة النتائج”

Comments are closed.

%d مدونون معجبون بهذه: