تعود الإبداع

238

يقترن الحديث عن الإبداع عادة بإنجازات عظيمة، فنية،علمية ،رياضية أو ثقافية.  هذا الإقتران رسخ عند فئة كبيرة من المجتمع ،فكرة أن الإبداع هو قدرة خارقة لا يملكها إلا البعض، لا هي شيء يكتسب أو ينمى بالعمل.

وهذه أكبر المغالطات التي لا زلنا نقع بها ، و أخطر الهواجس التي تعيق تحركاتنا. فحين نؤمن بأن الإبداع هو ملكة ، ألهمت لشخص “غير طبيعي” ، يخالف البقية في تفكيره ونمط عيشه نكون قد شيدنا جدارا شاهقا  بين قدراتنا والطرق المتاحة لنا لكي نبدع.

لكن عن أي الطرق نتحدث هنا؟ هل هي وصفات لكي نصبح بين الفينة والأخرى مبدعين؟ أم هي كتب” كيف تصبح مبدعا في أقل من أسبوع”؟ ليس الأمر بهذا القدر من البساطة ولا بالصعب الممتنع. الأمر يحتاج فقط أن: نتعود الإبداع .

لكي نبدع يجب أن نتعود الإبداع. أين الطريق هنا؟

أولا كيف لمن لا يؤمن بقدرته على الإبداع أن يتعوده ويصبح مبدعا؟إن الإيمان بأن كل شخص يستطيع الإبداع هو نقطة الإنطلاق.  المسألة تصبح حتمية عند من لا يبخس من قذراته الذهنية، من يكتشف مهاراته يوميا بالإحتكاك مع مجتمعه، بحبه لتعلم الجديد، بعطشه لتعلم  المزيد.

ثانيا، كيف لمن لا يستعمل شقي دماغه الإثنيين في تلاؤم وتناغم تام أن يجد الجمال في الأرقام ويلون الخطوط ويلحن الكلمات ويتخيل الأحداث والأشكال و يحللها . الإبداع يبتغي عمل كل القدرات الذهنية في تشارك تام و نحو هدف محدد.

تالثا كيف لمن ينغلق منسدا في قوقعته أن يخلق المغاير والجديد. هو الذي لا يسعى وراء اكتشاف العالم ،لا يشارك الآخرين رأيه لا يريد سماع رأي مخالف أو مغاير و يخاف تغيير زاوية نظره.

هذه النقاط تجيب من يبحث عن الإنطلاقة. لكن ماذا عمن يعيها وعيا تاما وهو في خضم سلوك الطريق؟

إليه ترسل مهمة التعود. عليه أن يتعود الإبداع لكي يبدع.

أظن هنا -والرأي يبقى شخصيا- أنه يكفينا  في البدء أن لا نستعصي مسألة الإبداع ونغير مفاهيمنا المغلوطة حولها.  و أن نرسخه كنشاط عبر الأعمال والأقوال وروتينيات الحياة الشخصية اليومية المتكررة.  حيث لا نجعله مقترنا بنشاط واحد فقط .

نبدع في تقديم أطباقنا بما نملك من وسائل، نبدع في قول صباح الخير لمن نحب ، نبدع في اختيار كلماتنا، نبدع في تفاصيل الحياة اليومية.فنجد طرقا مغايرة من وحينا  للتعبير ، نعود أنفسنا  عدم الرضى  والقبول بالأفكار المستهلكة … فنجد دائما أسلوب الحياة الخاص بنا.

الإنطلاقة تبدأ من الإيمان والمسألة تقتضي تعودا ، حبا واستمرارا  رغم كل الظروف والإمكانيات المتاحة وإلا سنستمر في استهلاك كل الأفكار الأجنبية عن ثقافتنا و ظروفنا  مكرسين طاقات وجهود لتطبيقها والعمل بها . و سنعود ليس فقط أنفسنا بل الأجيال القادمة أيضا الإختباء تحت مظلة “الظروف والمادة” كشرط لابد منه عندما يتعلق الأمر بالإبداع.