فكر قبل الإرتباط .. !

1٬825

دائماً ما أشاهد مواقف لأباء مع أبنائهم ، مواقف أبحث فيها عن أدق التفاصيل التي قد تجيب عن سؤالٍ يراودي منذ زمنٍ بعيد ، ما الذي يدفعنا لنكون أباء وأمهات .. ؟ جيل مسؤول عن جيل أخر .. ! إن رغبتنا في أن نكون أباء وأمهات ، هي رغبة تفوق كل الوصف ، وسمو هذه الرغبة بداخلنا تختلف من شخص لآخر ، تختلف حسب فهم المرء منا للأبوة والأمومة ، فمنا ما يرغب في بناء أسرة تكون عالمه الذي يأويه عند عودته مساءاً إلى البيت ، ومنا من يرغب في إشباع غريزة الأبوة والأمومة ، ومنا من يخاف غدر الزمان حينما يكبر فيخاف أن يظل وحيداً بِلا أنيس ولا معين ، كل منا ينظر للأمر من زاوية تواجده في هذه الحياة ، فلا قانون يوحد رغباتنا التي تتغير بتغير أدق تفاصيل مجريات حياتنا . تظل هذه الرغبة تراودنا منذ أن أدركنا أن كل إنسان في هذه الحياة لا بد له أن يرتبط في يوم من الأيام ، فيجد كل من الجنسين توحدت أرواحهما أنه حان الأوان لتوحيد حياتهما مع بعضهما البعض عن طريق إرتباط أبدي مدى الحياة . هنا تبدأ الحكاية إثنين ، وتبدأ معها حكايات جيل آخر ، جيل سيكون كل من الأبوين المسؤولين عنه في أدق تفاصيله ، في نجاحاته وإخفاقاته ، في أحزانه وأفراحه ، في صحته ومرضه ، و أشياء أخرى لن ندركها إلا عندما نكون في موقف كان بالأمس مجرد رغبة فأصبحت الآن حقيقة ، حقيقة معناها اليوم أنك أب و أنكِ أم بين يديك أرواح بشرية تفكر وتحس .

 

ما معنى أن تكون أبا أو أن تكوني أما .. ؟ المعنى هنا لا يُدرك بالكلام ولا بالمشاهدة ولا بسماع القصص ممن لهم أبناء ، فحينما نسمع حكايات أباء وأمهات عن يومياتهم مع أبنائهم نكون ساعتها فقط في موقع لا يسمح لنا برؤية الحقيقة ولا بإدراك حجم المسؤولية التي على عاتقهم ، مسؤولية تبدأ عند اتخاذ قرار الإنجاب الذي حتما سيكون قرارا مشتركاً بين زوجين دار بينها ألف حديث وحكاية . فيجد كل من الزوجين أنفسهما ذات صباح أنه قد انضاف إليها دور آخر من أدوارهما في حياتهما معاً ، دور الأب والأم ، دور لا يحتاج إلى تداريب مسرحية لأنه ليس بمشهد تمثيلي ينتهي بمجرد إسدال ستار المسرح تحت تصفيق الجمهور ، لأنه بكل بساطة لن ينتهي إلا بنهاية أخر نفس يخرج من دواخلنا ، لكننا سنتقن هذا الدور مع مرور الأيام ، وسنحبه بكل ما نحمله من حب وأملٍ فينا . ستبدأ حكاياتنا مع أبنائنا في سنواتهم الأولى ، سنوات الإهتمام بأدق تفاصيل أجسادهم وتقلباتها ، ودوامة الأسئلة التي تدور بين الأبوين حول صحتهم ، هل هم بخير .. ؟ ، ونظل نركد بين هنا وهناك للبحث عن الإجابة ، وتظل الأسئلة حولهم ، فنسأل الأهل والأصدقاء ممن سبقونا في هذه التجربة ، فنطمئن عليهم حينا ونخاف أحياناً أخرى ، نقبلهم حينما ينطقون كلمة ( بابا و ماما ) ، وتعترينا دوامة الخوف في ليلة شتاء حينما يصرخون فيها وحرارتهم مرتفعة فنجد أنفسنا أمام أمر لا يحتاج التأخير ، فنتمنى لحظتها أن نصاب نحن مكانهم ، فنهرع إلى الطبيب دون أن نرى إن غيرنا ملابس نومنا أم لا .. ؟

 

نتنهد حينما يطمئننا الطبيب أن كل ما في الأمر هو أن صغارنا قد بدأت أسنانهم في الظهور الشئ الذي أدى الى ارتفاع درجة الحرارة ، فننظر لهم بحب والإبتسامة تُرسم على وجوهنا من جديد ، لنبدأ معهم حكاية جديدة بنفسٍ جديد . هذا فقط مشهد واحد من المشاهد التي قد نعيشها حينما نكون داخل مشروع التربية ، مشروع قد لا نملك له رأس مالٍ ولا وسائل تساعدنا على إقامته بطريقة صحيحة ، وهذا أمر قد نكون بسببه غير مؤهلين بأن نكون أباء و أمهات الجيل القادم ، لأن عملية التربية لا تحتاج فقط إلى عملية جنسية بين ذكر وأنثى لتكون سبباً في إنجاب إنسان أخر ، فالأمر لا يأخد من هذا المنطلق الذي تتبناه الشعوب التي ترفع من معدلات ولاداتها وتهمل رفع معدل وعي أفرادها وعدم تبني أفكار تساعدها على بناء انسان ذو فكر واحساس لا مجرد رقم ينضاف الى سجلات الولادة .

 

مقالات مرتبطة

تجربة أن تكون أبا وان تكوني أما، تستحق أن تعاش إن نحن جعلنا من أنفسنا ذات باحثة عن سبل العلم و المعرفة التي ستحمي الجيل القادم ، لكن قبل ذلك سنولد نحن أيضا حينما ندرك حجم الفراغ الفكري و الحسي الذي فينا والفكر العقيم الذي يملأ عقولنا بأشياء تعيق تقدمنا كبشر يستحق الحياة بمعناها الصحيح ، كلها عوامل كانت بسبب نقص تربية أبائنا لنا ، ليس لتقصيرهم في الأمر بل لعدم فهمهم لما يجب أن يزرع في عقولنا و قلوبنا لأنهم بكل بساطة هم أيضا ضحية لمشروع تربية فاشلة .

 

فلا عيب بأن يكون بيننا وبين جيل الأباء مفترق طرق هم في طريق ونحن في طريق ، لأن عوالم أزمنتنا تختلف عن بعضها البعض ، ورغبتنا لما نريد ولما يردوننا أن نكون عليه تجعل من الأمر أشبه بصراع رغبات ، وهذا بسبب الفهم الخاطئ لفكرة التربية . أن نربي ليس معناه أن نوفر شروط العيش من أكل و شرب و لباس و أشياء أخرى ، معناه أننا سنلعب دور الطبيب حين يمرض الأبناء ، دور القاضي حينما يتشاجرون ، دور البنك لرعايتهم مادياً ، دور الموجه حينما يصابون بالحيرة أمام خياراتهم في الحياة ، دور المراقب عندما تتغير معالم أجسادهم ، دور الصديق حينما تجتاحهم رغبة البوح بقصصهم لنا ، أدوار كثيرةُ بالنسبة لنا ولكن نحن بالنسبة لهم نلعب دور الأب والأم فقط دون أن يدركوا حجم التفاصيل التي تشغلنا بسببهم .

 

كل هذه التفاصيل يجب أن يفكر فيها كل من يرغب في الإقدام على حمل هَمِ تربية جيل أخر ، والإستثمار في مشروعٍ لا ربح مادي سيجنيه ، مشروع ستحتاج قبل الشروع فيه الى البحث والفهم الحقيقي لمفهوم التربية ، أن تفهم الى أين تسير سفينة مجتمعك التي كلما أبحرت وجدت نفسها أمام أمواج فساد الأخلاق وضياع القيم . فكونك مرب أو مربية معناه أن القيم و الأخلاق هي أدواتك لتكون أهلاً لبداية مشروع التربية ، أن تخوض أشرس المعارك لتبحث عن معدن ابنك أو ابنتك ، أن تعين نفسك على إعادة ضبط خطواتك أمام جيل ربما لن يرحم الأخطاء التي ربما سنسقط فيها للإبحار به الى بر الأمان . لكن سنجنب أنفسنا الكثير من الأخطاء التي سقط فيه جيل الأباء إذا أدركنا الفهم السليم لفكرة الإرتباط قبل الاقدام على فكرة الإنجاب و فكرة التربية كمشروع . إذا فكر قبل الإرتباط .. !