عن القاهرة ونيلها وناسها وأشياء أخرى

215

لم يكن النيل بجمال أنهار بعض الدول الأوروبية والآسيوية التي زرت في الماضي، لم تكن مياهه بزرقة “البوسفور” في اسطنبول ولا نهر “أرنو” الذي يزين مدينة فلورنسا الإيطالية ولا “السين” الذي يسقي باريس جمالا وحبا ولا نهر “كينهوي” الذي يسري في عروق مدينة نانجينج الصينية. كان لونه حزينا بعض الشيء كذلك الحزن الذي يسكن عيون الجدات والشيوخ عند تقدمهم في السن، لكنه كان النيل وذلك وحده كاف ليكون أبرزها وأقربها إلى قلبي.

كان النيل الذي يروي صحراء قاحلة ويعطيها الحياة والنبض، وكان أيضا ذلك الشريان الذي يتشارك فيه كل المصريين وكل الأجانب الذين وقعوا في حب مصر. أخبرني المرشد الذي رافقني خلال رحلتي في القاهرة أن المصريين القدماء سنوا حكم الإعدام في حق كل شخص لوث مياه النيل لأنه بذلك كان يلوث الحياة، معلومة لم أكذبها أبدا لأن الحضارة التي بنت تلك الأهرام الشامخة ستكون لديها بالفعل رؤية ثاقبة للحاضر والمستقبل. حماية النيل ضرورة لاستمرار الحياة وذلك ما كان.

كان منظر القاهرة من برجها العالي “برج القاهرة” أغرب ما شاهدت في حياتي، خصوصا عند رؤيتي لكل تلك العشوائيات المنتشرة التي تحاذي تلك الفنادق والإقامات الراقية الضخمة، لم تكن المسافة بينهما كبيرة جدا، لكنهما كانا عالمين مختلفين يفرق بينهما الكثير: كل ما يحيط بالنيل امتص من جماله الكثير، وترك لما وراء النيل الكثير من الجفاف واللامبالاة.

- الإعلانات -

لم أرَ قط شعبا أخف دما من المصريين، هم يشبهون إلى حد كبير المراكشيين في المغرب لكنهم مختلفون قليلا، ما إن تسأل شخصا لا تعرفه عن مكان أو عنوان ما إلا وبدأ معك حوارا وكأنه يعرفك منذ سنين، لا يمكن أن يتركك إلا بعد أن يحكي لك نكتة أو يخبرك بحقيقة حزينة حد الضحك. قلما تجد مصريا “رخما”، كلهم يمتلكون تلك الملكة التي تحول الحزن إلى ضحك في ثوان معدودة، ينقضون على الحزن انقضاضا، ويجعلون منه أضحوكة وكأنه لم يكن أبدا.

ربما كان هذا الأمر سيزعج “الجديين كثيرا” لكنك عندما تفهم ما يجري وتتضلع في حياة المصريين قليلا ستجد أن خفة الدم والضحك هو ما يجعلهم يستمرون رغم كل شيء، رغم غلاء الأسعار والزحمة وصعوبة العيش في مدينة لا تنفك تنزع البسمة من ثغور سكانها خصوصا أولئك القابعين في أسفل الهرم، أولئك الذين يتصارعون كل يوم مع الحياة لربح بعض الجنيهات من أجل تربية فلذات كبدهم، تجدهم يتمردون عليها كل يوم وينتزعون البسمة من أي شيء، وكأنها الترياق الذي يمدهم بالحياة رغم السموم التي تنفث في قلوبهم كل يوم.

“الضحك هو الشمس التي تطرد الخريف عن وجه الإنسان”

مقولة للكاتب الفرنسي ڤيكتور هيجو وكأنه كان يتكلم عن المصريين حين قالها.

حين تصل القاهرة الفاطمية، تمر على مسجد الحسين قبل أن تكمل طريقك إلى شارع المعز لدين الله، فتشاهد أطيافا مختلفة من المحلات التجارية القديمة: ذهب وأثواب وأواني قديمة ومطاعم ومقاهي لا زالت محافظة على ديكورها القديم، يوجد على أبوابها وبداخلها أشخاص يدخنون الأرجيلة. مقاه شعبية بنفس الكراسي والألوان التي تشكلت في مخيلتي نتيجة الأفلام والمسلسلات المصرية التي شاهدت: قهوة سادة، كوباية ينسون، كوباية شاي… شباب يحملون كاميرات ويعرضون صورهم الاحترافية على المارة بالزي الصعيدي أو التركي، آخرون يبيعون تذكارات مصنوعة من خشب وأخرى من طين أو زجاج.

لكن أكثر ما شد انتباهي كان تلك المحلات الصغيرة جدا التي تبيع الأنتيكة: صور قديمة لممثلات مصريات من خمسينيات القرن الماضي، صناديق خشبية صغيرة مزخرفة، فينيل قديم، أسطوانات للموسيقار عبد الوهاب وأم كلثوم والعندليب عبد الحليم حافظ، مفاتيح نحاسية كبيرة كانت ربما لأبواب ضخمة في القاهرة القديمة، مرآة نحاسية قديمة لعلها كانت ملك حسناء مصرية منذ زمن مضى، ملاعق فضية وأباريق ربما يتجاوز عمرها القرن. مجالس شيوخ تزرع البهجة في النفوس، مساجد جمالها يسكن الروح، نداء للصلاة يأسر الفؤاد.. كل هذه الأشياء ترجعني إلى زمن لم أعشه، تجعلني أتخيل الحياة في نفس المكان منذ زمن، حيث كان الناس يعيشون قصصا بطريقة أخرى ويفكرون بطريقة أخرى غير التي نعيش بها اليوم.

- الإعلانات -

غير بعيد، شاهدت سيدة في الأربعين تبيع أشياء بسيطة على الأرض كانت تصرخ في وجه رجل أمن قرب مسجد الإمام الحسين، ظهر جليا أنه كان يريد منها أن تخلي المكان لأنه ملك عام، لكن ردها كان رد لبؤة في عرينها “أروح فين يا باشا؟ أصرف على ولادي منين حضرتك؟”. انتهى الحوار ببساطة وأكمل الباشا طريقه مطأطئ الرأس إلى مكان آخر لتظل السيدة شامخة في ركنها تدعو المارة بابتسامة لا تموت إلى سلعتها.

كانت تلك الرقعة من مصر الفاطمية أجمل ما شاهدت خلال رحلتي إلى القاهرة لمِا أحسست بِه فيها من حنين إلى ماض لم أعشه وإلى أشخاص لم أقابلهم يوما لكنهم عاشوا هنا ومروا من هنا، بنوا هذا المكان وأحسنوا بناءه، لكنه ولى حزينا بدوره كالنيل وكوجوه أولئك “المصريين الغلابة” الذين ينفثون خيباتهم المتراكمة في سيجارة رديئة الجودة.

لا يمكن أن أتكلم عن مصر دون أن أستحضر لذة الحمام المحشي والملوخية وشوربة الخضار وكبدة البرنس وكشري أبو طارق. لا يمكن أيضا أن أمر مرور الكرام على سوق الأزبكية، ذلك الكنز الذي لم يكتشف بالكامل بعد، ولا يمكن أبدا أن أتكلم عن مصر ولا أستحضر تلك القشعريرة التي غطت جسدي بالكامل عند مروري على ميدان التحرير، مهد الثورة، حيث استشهد شباب وشيب من أجل الكرامة والعيش الكريم. دموع مجهولة المنبع ملأت عيني وحرقة منعت حنجرتي من ابتلاع ريقها لدقائق. رحمكم الله جميعا ورحم هذا البلد الجميل!

بعيدا شيئا ما عن وسط البلد، تجلس قلعة صلاح الدين الأيوبي بكبرياء فوق هضبة المقطم، هناك حيث هرب أحد المماليك الذين صفاهم محمد علي باشا بالكامل يوما ما، هناك حيث قفز أمين بك، آخر مملوك نجى، من فوق حصانه ثم اختفى. هناك من يقول إنه مات لأن الارتفاع كبير جدا، وهناك من يقول إن الحصان من مات بينما هرب فارسه إلى الصعيد أو ربما الشام. لا يزال فناء القلعة وأسوارها شاهدين على دماء المماليك التي سفكت آنذاك لتبدو حزينة خالية إلا من أرواح شاردة تزيد المكان برودة. مذبحة المماليك هذه والتي خلفت أزيد من ألف قتيل بين المماليك وأتباعهم تؤكد أن التاريخ يعيد نفسه. إن غدا لناظره لقريب، وكذلك الأمس.

كانت القلعة تستحق وضعا أفضل من الذي تعيشه اليوم، كالمصريين تماما. دخلت إلى مسجد القلعة، فشعرت بألم خفي يقرس فؤادي عند رؤيتي للزرابي المغبرة والمتسخة والجدران الباهتة، والعشب التالف والأسوار التي بدأ إصلاحها منذ عهد مبارك ولم تصلح لحد الساعة، قلعة كهذه تستحق عناية مركزة ودائمة كالتي نراها عند زيارة أبسط كنيسة في الدول الأوروبية. لكن للأسف…

“المصريون يستحقون وضعا أفضل بكثير من هذا الذي يعيش فيه معظمهم اليوم لأنهم يصنعون الفرح من اللاشيء، لأنهم يثابرون ويناضلون، ولأنهم “جدعان” وكرماء ويستحقون الأفضل، هكذا بكل بساطة”. كانت هذه هي الخلاصة التي خرجت بها بعد أقل من أسبوع في القاهرة، كانت الجملة التي يرددها دماغي كل حين.

يرى البعض أنها سميت “القاهرة” لأنها كانت موطن الإله المصري القديم “رع” “كاهي رع” أي موطن الإله رع، كما أن لها الكثير من الأسماء كمصر المحروسة، وقاهرة المعز، ومدينة الألف مئذنة، وجوهرة الشرق، لكن اسم القاهرة الذي اختاره لها المعز هو أجمل الأسماء التي أطلقت عليها، لأنها قاهرة الأعداء والحروب والنكبات والأزمات، هي المدينة التي لا تقارن بغيرها من المدن، لأنها فريدة وكل شيء فيها لا يشبه غيرها.

القاهرة ليلا أجمل بكثير منها نهارا أو ربما الليل يزيدها رونقا وسحرا، حيث ينام الكل بين يدي النيل وكأن هذا الأخير حضن أم تحنو على صغارها عند كل مغيب، تربت على كتف الباكي وتخفف آلام الشاكي وتعد الحالم بغد أفضل؛ أفضل مما مضى، بينما تظل الأنوار ساطعة تزيد مياه النيل عمقا وتلألأ لا ينبض له معين رغم آلاف السنين التي مضت وستمضي بينما القاهرة لا تزال قاهرةً.

- الإعلانات -