في المساء الأخير

266

تاريخ اليوم : 30 ديسمبر، و الساعة : الواحدة بعد منتصف الليل، الساعة المثلى لتذكر كل ما حدث و التفكير في كل ما لم يحدث..

قبل سنة، كنت أشبه انعكاسي على المرآة و كان كل شيء مختلفا. و الان، آمل أن أعثر على صالة شاي، لن أظطر لهدر طاقتي بالحديث داخلها، و مستودع كتب، لم تنشر، يعبق برائحة القِدم، و لوحات فنانين غير معروفين، ذلك أن النفس تميل إلى ما أحبه أناس آخرون.. آمل كذلك ان يزداد طول الصباح قليلا حتى أتمكن من تناول الفطور على شرفة مقهى قديم بطنجة و أقرأ بعضا من كتاب ما، ثم أتمشى قليلا بالأزقة الضيقة… لا أراني في صبح أجمل أبدا، غير أيام العطل التي أجد في صباحاتها شيئا من “الجنة”، فطور متأخر و الأسرة، برامج الراديو الصباحية و أفق جميل.. آمل كذلك أن تقل ساعات نومي عن التسع، شيء من المفترض أن أخجل منه، و بما أني مؤمنة أن الخجل لا يغير من الأمر شيئا فمن غير الصواب أن أفعل. و أتمنى كذلك أن أكف عن التذمر مما لا يتذمر منه الناس حولي، لا أنا قادرة على الإفصاح و لا هم يكترثون..

الساعة الآن تجاوزت الثانية، بعد إضافة التسع تصير الحادية عشر، و باحتساب ما تبقى لإغماض جفني، سيوقظني أذان الظهر لا محالة! لم يتبق لي الكثير من الوقت لتحقيق ما عزمت عليه خلال هذه السنة، التخلص من الوزن الزائد رغم أن صديقتي تصر على أن الإنسان يجب أن يظل فريدا و مختلفا، شراء دمى الباندا التي أظن أن إنتاجها نادر بقدر الدب نفسه، تعلم الطهو و هو شيء سهل لا بأس في تأجيله، و لا بأس لأني تهاونت في كل هذه الأمور، فقد صرفت كل مدخراتي على روايات رثة و أماكن جديدة..
و فوق كل شيء، أنا لا أؤمن بالأرقام و لا بالساعات، أوَّلا لأنها مسرعة أحيانا و بطيئة أحيانا أخرى، و ثانيا كونها تجعلنا نحدد تصرفات معينة لكل رقم و هذا شيء خاطئ، لذلك يتمنى الكل، تقريبا، أن يعود طفلا يتأرجح رغم أنه لا ضرر إن فعل الآن، فقط يجب التأكد من قوة تحمل الارجوحة.. و الأصح هو انتقاء اللحظات التي تجعل قلوبنا تخفق بسرعة و إعادة تمثيلها إن لم نتمكن من عيشها مجددا بنفس الفرح، و التوقف عن الانزعاج و صياغة الف سيناريو لأحداث مضت.. لا أنكر أن الندم شعور جميل إذا ما حال دون الإتيان مجددا بحماقات مرتكبة، لكنه يبعث على الغثيان عند تجاوز جرعات معينة.. يندم الإنسان على ما قدمت يداه و يفكر مسبقا أنه قد يندم على أشياء لم يقترفها بعد، و بما أنه ليس معصوما فالصفح واجب. و كيف لمن لا يقدر على مسامحة نفسه أن يسامح كائنا آخر؟ وقد برمت اتفاقا ونفسي أن أول ما سنستهل به العام الجديد هو أن أغفر سذاجتها و تناقضاتها علها تغفر لي ضيق رؤيتي و ولعي بالتفاصيل..

- الإعلانات -

- الإعلانات -

اكتشاف أخير قبل انقضاء العام، حري بالتدوين، رقص الأقلام على الأوراق يجعل عقارب الساعة تزيد من سرعتها و هذا محفز لكي أتشبت بعدم إيماني بها، تجاوزت الثالثة الآن، الغربان النائمة على الشرفة لم تستيقظ بعد و صوت كيني روجرز لا يزال ينبعث من سماعات الأذن التي نسيت إطفاءها، و أفضل ما يمكن القيام به هو أن أصب فنجان شاي آخرا، بما أن النجوم اختارت الخجل اليوم و لم تترك لي فرصة عدها، سوف أتم قراءة قصيدة درويش التي حفظتها و مع ذلك أحب أن أقرأها مثل المرة الأولى، و أقتبس منها : ”في الْمساءِ الأَخير.. لا نُوَدِّع شَيْئاً، ولا نَجِدُ الْوقْتَ كَيْ نَنْتَهي..”
في المساء الأخير نفكر في الصبح الأول، و نجزم أننا لن نهدر من أيامنا ما بقي، و لن نفقد العزم إذا ما تأخرنا عن الشروع في العمل لتحقيق أهدافنا.. نعد أنفسنا بذلك و نمنيها أن القادم أحلى، و لن ننكث وعودنا.

و في هذا المساء، نتيقن أن كل ما تبقى منا رسالة يرميها ساعي البريد مسرعا، لا تحمل سوى اعتراف أننا حتما سنلتقي في حياة أخرى، ليس بالضرورة على كوكب آخر، و أمنية، قد يعلق السذج عليها أمان أخرى.. في المساء الأخير، نقبل بعضنا و نكمل ما بقي في قعر الكأس، مؤمنين و مسلِّمين أن الحلم قد تكسر في نفسه قبل عثورنا عليه..

- الإعلانات -