خطاب الصوفي لغة العارفين

349

حينما تثار قضية الخطاب، تضعنا مباشرة في صميم اللغة كمعرفة مدركة، كونها مركز العلاقة بين الإنسان والمواضيع المفكر فيها، إذ ليس بالإمكان التفكير في شيء معين، دون تحويله إلى موضوع قابل للمعرفة بواسطة اللغة كتقنية إجرائية ومنهجية، وشكلا من أشكال الفعل.
فالذات لا تتلفظ إلا بافتراض نوع من الطقس السوسيو_لغوي الضمني المشاطر بين المتخاطبين، وبالانتقال من العقد القانوني إلى الدور المسرحي تتحمل اللغة (…) قائمة من العلاقات الإنسانية الداخلية، ومجموعة من الأدوار التي يمكن للمتكلم أن ينتجها لنفسه وأن يفرضها على المتلقي.

كما أن المجتمع مسرح كبير يلعب فيه كل فرد دورا معينا يتسع لاحتوائه مفهوم “الإخراج المشهدي” أو ما يسميه أ.لندوفسي “بفن تصوير المشاهد” أو “السياق السميوطيقي” حيث تتشكل أفعال اللغة ليندرج فاعل القول داخل الزمان والمكان لمحاوره، مما يسمح بأن تؤدي كل التحديدات الدلالية والتركيبية إلى الالتحام “صورة الرسم”، التي يبعثها الواحد منهما إلى الآخر _المرسل والمتلقي_ في عملية التواصل.
إلا أنه لا يمكن أن نتصور الخطاب، كحدث داخل هذه “الطبوغرافيا”، حسب تصور جون بيير إلا في الحالة المنهجية، التي نشيد فيها الخطاب باعتباره تجربة اجتماعية_لغوية.

- الإعلانات -


إن الخطاب ليس نسقا من الأفكار، ولا كلية منضدة يمكن تجزئتها آليا، ولا تشتيت لانهيار مستحق للبنيات، وإنما هو نسق من القواعد التي تحدد خصوصية فعل القول.
وما دامت اللغة مركز انطلاق الخطاب ومصبه، فإن التواصل بين المتكلم والحقائق الإلهية في المنظور الصوفي، يتم إنتاجه وتحققه من خلال تفاعله مع العالم، واللغة بكل مستوياتها،
إن العلم بالحقائق الإلهية عن طريق التلقي، من خلال استعداد المتلقي روحيا ونفسيا، حيث أن طريق الحق واحدة، فإنه يختلف وجوهه باختلاف أحوال سالكيه من اعتدال المزاج وانحرافه وملازمة الباعث ومعيته، وقوة روحانية وضعفها، واستقامة همتها وميلها، وصحة توجهه وسقمه، فمنهم من تجتمع له، ومنهم من تكون له بعض هذه الأوصاف، فقد يكون مطلب الروحانية شريفا ولا يساعده المزاج.
فتكون حال المتلقي حال المسافر والسفر مبني على المشقة وشظف العيش، والمحن والبلايا، وركوب الأخطار والأهوال العظام، مختلفة التصريف وطبع أهل كل منهلة يخالف طبع أهل المنهلة الأخرى، فيحتاج المسافر لما يصلح بتلقي كل عالم في منزلة، فإنه عندهم صاحب ليلة أو ساعة وينصرف فأنى تعقل الراحة فيمن هذه حالته.
ولعل النص التالي، يشكل محاولة للاقتراب من علاقة الخطاب باللغة كنتاج صوفي محض، يقول ابن عربي:”فإن قلت: وما التلقي؟ قلنا: التلقي هو أخذك ما يرد من الحق عليك عند الترقي: فإن قلت: وما الترقي؟ قلنا: الترقي هو التنقل في الأحوال والمقامات والمعارف نفسا وقلبا وحقا وطلبا للتداني، فإن قلت: وما التداني؟ قلنا: التداني هو معراج المقربين إلى التدلي، فإن قلت: وما التدلي؟ قلنا التدلي هو نزول الحق إليهم”، ويتابع ابن عربي قائلا: “للسيد أن يتصف بأوصاف عبده تواضعا، فللسيد النزول، لأنه لا يحكم عليه، فنزوله إلى أوصاف عبده، تفضل منه على عبده حتى يبسطه، فإن جلال السيد أعظم في قلب العبد من أن يدل عليه، لو لا تنزله إليه”.
ونزولهم لمن هو دونهم بسكينة، فإن قلت: وما السكينة؟ قلنا السكينة: ما تجده القلوب من الطمأنينة عند تنزل الغيب بالحرف، فإن قلت: وما الحرف؟ قلنا: الحرف هو ما يخاطبك به الحق من العبارات”.
يظهر هنا أن تلقي الخطاب، رياضة روحية وجهد نفس يبذله المتلقي للأخذ عن الباث الذي هو الحق سبحانه وتعالى، ليتخلص المتلقي من شهواته وأهوائه التي علقت بنفوس العامة لانشغالهم بغير ما خلقوا له، لذلك كانت مجاهدته ومعاناته الشديدة تتويجا له بالقرب من الله سبحانه وتعالى، وطمأنة من طرف الخالق عن طريق الخطاب الموجه له من ذلك المقام التخاطبي الجليل.

- الإعلانات -