نظرية التحدي والإستجابة وتطبيقها على واقعنا العربي.

188

الزمان والمكان والحدث، أبعاد التاريخ الثلاثة التي بها وعلى مقتضاها ننسج تاريخنا مرة بخيوط حريرية وأخرى بخيوط هشة مهترئة. والمتأمل في التاريخ بشكل عام لا يفتر أن يرى سنة الله في الأمم وتداول الأيام بين الحضارات، وكيف تبرز حضارة وتخبو أخرى؛ ولا نسلم لجاحد جدلا أن ينكر دور منجزات وأفكار المسلمين وحضارتهم عقب الوحي السماوي وبعده في صياغة الحضارة الحديثة، كما لا نسلم لمنصف أن يعترف بدور العرب اليوم، نعيش في سبات عميق وتبعية عمياء، تبعية نخجل بل نخاف أن نورثها لأحفاد هذه الأمة، لكننا بإذن الله تعالى أمة لن تموت، نحتضر ونكون على شفا جرف هار وإذا بنور يسطع ليزيل القذى عن الأعين ويبث حياة النبوغ من جديد، وتلك الأيام نداولها بين الناس.

رجوعا إلى كبوتنا هاته وتحت ضوء نظرية التحدي والإستجابة وتطبيقها على واقعنا العربي المعاصر.

فما هي نظرية التحدي والإستجابة ؟ هي نظرية لصاحبها آرنولد توينبي 1975/1889 التي أنشئت في موسوعته التاريخية المعنونة بدراسة للتاريخ وهي واقعة بين دفتي اثني عشر مجلدا، حيث أنفق توينبي من عمره واحدا وأربعين عاما في تأليفها. وقد استوحاها من عالم النفس السلوكي كارل يونغ 1961/1875، الذي يقول إن الفرد الذي يتعرض لصدمة قد يفقد توازنه لفترة ما، ثم قد يستجيب لها بنوعين من الإستجابة: إستجابة سلبية: وتتمثل في النكوص والرجوع إلى الماضي والتشبث به ومحاولة استرجاه تعويضا عن الواقع المر في محاولة يائسة، فيصبح الفرد انطوائيا.

الأكثر ارتباطا

الحي الميت..

إنه العيد!

إستجابة إيجابية: تحدي الواقع والاعتراف بالصدمة ومحاولة التغلب عليها، فيصبح الفرد بالتالي مرنا تفاعليا. تصعد الحضارت أو تسقط حسب نظرية توينبي على قدر استجابتها للتحاديات التي تواجهها، فإما أن تتقوقع على نفسها وترجع القهقرى، وإما أن تلقى التحدي بالإبداع والابتكار في محاولة منها لتجازوه لحياة أيسر تلائم وتتماشى مع مقتضيات العصر، وكما يقال: الحاجة أم الاختراع، فكلما ازداد التحدي واكبته الإستجابة، وبالإعادة وتكرار مع تفادي التجارب الفاشلة تصل الأمة لما سماه توينبي بالوسيلة الذهبية، يقول في كتابه السالف الذكر: إن الإنسان لا يحقق الحضارة نتيجة موهبته البيولوجية الفائقة أو لموقعه الجغرافي، ولكنه يحققها استجابة للتحدي الذي يواجهه في الحالة الخاصة الذي يدفعه إلى بذل جهد غير مسبوق. وهذا في جوهره ما ذكره ابن خلدون في مقدمته قبل توينبي بستة قرون، حيث فسر تقدم الحضارات بتماسك الجماعة وتقبلها للتحديات والتغلب عليها بطرق مبتكرة، وهذا ما سماه بالعصبية، كما وضح ابن خلدون أسباب وكيفية سقوط الدول، وكل ذلك مبناه على تفكك الجماعة وفقدها ترابطها العصبي، وبالتالي شعورها بالضعف المُوَّلِد لقبول التحديات دون استجابة.

وهذا ينطبق بحذافيره على الشق الأكبر من مجمتعنا العربي والأمة الإسلامية بشكل عام، حيث تلقت صدمة الحضارة، فعوض أن تواجهها بابتكارات وأفكار جديدة، حاولت النكوص والرجوع إلى الماضي، وليس الرجوع إلى الماضي من أجل بناء المستقبل والوقوف بأقدام ثابتة على النبع الصافي لبناء حضارة على بصيرة تعترف بماضيها وتتخذه أصلا وتعيش حاضرها وتخطط لمستقبلها، بل من أجل التقوقع على الماضي واحضانه بأعين مغلقة؛ مستحيل أن نعيد شخص عمر بن الخطاب وخالد بن الوليد وصلاح الدين الأيوبي…رضي الله عنهم أجمعين، أولئك فخرنا وأمجادنا وماضينا الجميل، فهلا عملنا على أفكارهم وكيف صنعوا من أنفسهم عظماء خلدهم التاريخ. الشق الثاني من مجتمعنا قوم شاخصي الأبصار شاغري الأفواه انبهارا بالغرب وحضارتهم، في سذاجة وطيبوبة مذلة، فلا هم عاشوا واقعهم واستجابوا للتحديات التي تواجههم ابتغاء الحصول على الوسيلة الذهبية، ولا هم قلدوا الغرب فيما يفيدهم واجتنبوا ما يسوؤهم. وبين الشق الأول والثاني توجد فئة قليلة، واعية تعلم ما تريد وكيف تحققه ومتى تبدأ، لكنها تنتظر الزمان والمكان المناسبين لتصنع الحدث، تنتظر مرور المصيف والشتاء ليأتي الربيع، يعلمون أنه كلما ازداد الوعي قل الاستبداد، فإلى ذلك الحين نحن بالأشواق، نشيد الأساس في ثبات لعل الله يُحدث بعد ذلك أمرا.