فراغ روحي…أين المصير؟

454

تعاش الحياة البشرية مفصلةً، تعاش على مدارِ مقدارٍ محدد، فمرةً كل سنة يضاف إلينا رقم جديد إلى أن تقف بنا عجلة هذه الحياة.
عشرون؛ ثلاثون؛ أربعون… أقل أو أكثر، إنها سنين تتزايد بكل تفاصيلها، الممتعة و المملة؛ الواقعية و الخيالية؛ فنستحسنُ فيها ما يفرحنا و نستبعد ما يؤلمنا.
نرى في حياتنا أسرة سعيدة، عملا قارّاً، عطلا موسمية، هدايا مميزة، نرى فيها حياة لا تشوبها شائبة على الأقل كما نراها نحن.

رغم كل هذه الرفاهية التي تحيط بنا لا نستطيع إنكار ذلك الإحساس بالنقصان الذي يعتلي صدورنا بين الفينة و الأخرى، و ليمكن ملأه أو نسيانه عبر مقابل مادي، أو ليلة نقضيها في أغلي الفنادق، أو حتى عبر رحلة نجوب فيها العالم بأسره.
ذلك النقصان القاهر الذي لا يترجم سوى بفراغ داخلي موحش نصارع أنفسنا بعدم الاعتراف به فترات طويلة، إلى حين التقائنا بمن هو قادر على ملأ هذا الفراغ و إعانتنا على مواجهته.
أَنتشاركُ جميعُنا في نوعية الفراغ الذي يعترينا ؟ أنحن قادرون على التغلّب عليه لوحدنا ؟ أم لا بد من أحد يمسك بكلتا يدينا ؟
مع اختلاف الحياة التي يعيشها كل منّا و تعدد شخصياتنا و انفراد كل واحد منا باحتياجاته الخارجية  التي يجد نفسه في كفاح دائم من أجل تحقيقها، كان لزاما على هذا الفراغ الذي يعترينا أن يكون مميِّزاً لمشاعرِ النّقصان الخاصّة بكل فرد منا و التي نَتجت في اعتقادي من تجاهل احتياجاتنا الدّاخلية.
مع تراكمِ هذه الأخيرة وازديادها، خصوصا مع التّطوّرات الحاصلة في جميع المجالات الدائرة حولنا ،و عدم قدرتنا على إخفاء ما تحتاجُه ذواتُنا الداخلية من روح جديدة تُغذِّيها حاول العديد منّا البحثَ عن حلول جذرية لهذا الفراغ المتمثِّل بعضُها في :
– الإنغماس في قراءة الكتب من تنمية ذاتية أو رواياتِ عشق بحثاً عن أيّ إحساس بالحبّ ولو كان من نسج خيالنا.
– مشاهدة الأفلام و المسلسلات هروبا من عالمنا إلى أخرَ خياليٍّ قد نحقّق فيه رغباتنا ولو لساعات محددة.
– الإكثار من ساعات العمل اليومية مع البحث عن هوايات جديدة قد لا تثيرنا لكننا نمارسها فقط لنُشغِل بها أنفسنا أيام العطل.
– انحياز فئات كثيرة للأسف إلى إدمان الكحول و المخدّرات ظنّاً منهم أنها الحل الأنسب لإزالة هذا النقصان.
عند التّمعّن في الحلول التي جُرّبت من طرفنا من أجل الوصول إلى حقيقة هذا الإحساس بالفراغ و التغلب عليه، نستنبط أنها كانت حلولا مؤقّتة و مرهونة بلحظة فردية لنا، بعيدة عن أي مشاركة مع الغير مما أشاح عنها إمكانية الاستمرارية ورفعَ طابع الواقعيّة منها.
من خلال هذه الحلول السابقة أرى من وجهة نظري أن هذا الفراغ الدّاخلي مُرتكزٌ في ثلاث أنواع رئيسية، قد تتفرع لدى البعض منا إلى أخرى

النوع الأول، يتمثّل في الفراغ العاطفي الذي يختلجُ قلوب الأشخاص حين يغيب عنهم الحبّ الحقيقي الذي سيسمُو بهم إلى السكينة و الهدوء مع شريك حياتهم. هذا الشريك العاشق الذي يمنحهم كل المشاعر الخالصة، فمنا للأسف من هام في حب معشوقه لكن هذا الأخير لم يبادله نفس العشق  فضاع  في دائرة فراغ غير منتهية.  فكيف إذن لشاعر بدوي كقيس أن يصبح مجنونا لولى حبه اليائس لليلى؟
النوع الثاني، يتجلّى في الفراغ الديني الذي يعترينا حين يبتعد الإنسان عن الله، و يكون محاطا بمعاصي الدنيا و ملذّاتها فيكون هذا الفراغ نتيجة لضعف الإيمان أو انعدامه في مجمل الحالات، إلى أن نلتقي بمعلِّم ينير لنا درب الحياة. هذا المعلِّم الرّوحي الذي و فّقهُ الله ليسير في طريقه. و هنا نستذكرُ الرّسالة الرّشيدة و العميقة التي بعث بها سيدنا عمر بن الخطَّاب رضي الله عنه إلى صديقه الذي ذهب إلى الشام ووقع على الخمر، وأدمن عليه، فلما بلغه النبأ تألم أشدَّ الألم، وكتب له ” من عبد الله عمر بن الخطَّاب إلى فلان، أما بعد, أحمد الله إليك : ﴿غَافِرِ الذَّنْبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ الْعِقَابِ ذِي الطَّوْلِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ إِلَيْهِ الْمَصِيرُ﴾ ” فما كان لهذه الرسالة الصادقة إلا أن تكون سببا في توبة هذا الإنسان.
النوع الثالث، يظهر في الفراغ الاجتماعي الذي يُشعِرُ الشخص بوحدةٍ قاتلة رغم كونه ناجحا و ميسورا من الخارج إلاّ أن بداخله حاجةً إلى رفيق يخفّف وحشة الدّرب. هذا الرفيق المنشود الذي يعكس لنا جوهر أنفسِنا و يشاركنا في رحلةَ صداقةٍ  ليمكن أن يعيشها المرء إلا داخليا و ليمكن فهمها من الخارج كما عرّفها جلال الدين الرومي  في حديثه عن صداقته بشمس التبريزي الذي كان سببا في تحوله من  عالم متزمت إلى شاعر زاخر بصوت الحب.

- الإعلانات -

               الحب ليمكن تفسيره، بل يمكن عيشه فقط
الحب ليمكن تفسيره، لكنه يفسر كل شيء

- الإعلانات -

من المؤسف أن نسعى وراء حياة كاملة مترفة غير عابئين بما نخلفه من تقصير في الدين لصالح الدنيا، لنواجه بذلك فراغا قاتلا صار دخيلا على أمتنا المسلمة ذات المنهاج المتوازن حيث يقول الله عز وجل ” وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى”.

 

- الإعلانات -