“إذا طلعت شمس النهار ذكرتها… و أحدث ذكراها إذا الشمس تغرب”

286

كان يا ما كان .. كان الحب ذلك الشفق الذي يقود الشمس نحو الغروب.. كان متأنقا يظهر في أبهى حلله .. ينعم في ديباجه و يسمو بذلك العضو العضلي الذي يسكن الجهة اليسرى من التجويف الصدري لكل إنسان.. على شكل إيماء أو رمز من الواردات الإلهية و التنزلات الروحانية و المناسبات العلوية…

لكن اليوم انقلبت المفاهيم و تعاكست النيات و اندثرت القيم.. فأصبحت قلوبنا جوفاء… ليصبح بذلك الحب سوى لهفة و وسيلة و شرطا للعلاقات.. بعد أن كان طموحا يعنون هذه الأخيرة و يجعلها تسمو و تعلو و ترتقي..
تخبرني إحدى الصديقات عن الشاب الذي كانت تحدثه بأحد مواقع التواصل و عن تسرعه للتصريح عن تعلقه بها و رغبته في وصالها بعد أسبوعين فقط من الحديث .. جازما أن ما يشعر به اتجاهها هو حب لا أقل و لا أكثر ..
تقبلنا هذا التيار الجارف للعلاقات الافتراضية بكل شجاعة و تقبلنا معه كل المفاهيم الوهمية التي نتجت عنه ..حتى أننا لم نكتف بجعلها نكرة فقط بل لقبناها ” بالمشاعر الإلكترونية “..

- الإعلانات -


لابد أن الأمر يعود خصوصا إلى التفكير بواقعية في مواقف تحدث في عالم مزيف تغمره الأوهام..أو إلى رغبتنا الجامحة في تحقيق ما لم نستطع إثباته على أرض الواقع.. و هنا نجد أن الكثير منا أصبح يبحث عن الارتباط و لو كان عبر اللاسلكي..ليجلس مثلا بين رفقاءه بالمقهى ممسكا بهاتفه.. فيعقب عليه أحدهم حول انشغاله بالهاتف .. فينفخ ريشه معلنا أنه يتحدث مع نجمته الافتراضية .. أو لتنام هي و تستيقظ على صوت يبدي اهتمامه بها ادعاءا أو وهما .. فيشعر هو أنه قيس بن ذريح و تشعر هي أنها لبنى التي تسببت في جنونه..
أسفا انتقلنا من الفراغ العاطفي إلى الفراغ من المنطق و العقل كذلك ..فتغشينا بالظلام رافضين الحقيقة.. متشبتين بوهم الحب و الإعجاب..
و بعيدا عن هذا النوع من العلاقات التي تحصر نفسها بالافتراضي فقط .. لازلت أذكر تفاجئي من زميلة في الدراسة و هي تحكي لي عن زميل آخر كان يسبقنا بسنة عندما نعتته بالصديق تلقائيا..فرد عليها هذا الأخير بنوع من الواقحة كاشفا على أنه مقبل على الرابعة و العشرين قريبا و لا حاجة له بإنشاء صداقات أخرى بل حاجته اليوم إلى الارتباط و كفى ..
تجرأنا للاستهزاء بكل شيء و رغبنا في صنع قدر الارتباط و الحب كذلك.. و في الأصل..كل هذا أعطية إلهية.. يزكي بها الخالق حكمته في خلقه أشد الضدين تناغما على هذه البسيطة: الأنثى و الذكر …
عليك إذن أيها الإنسان أن ترتقي الجبل على مهل و بأناقة .. و بذلك ما أو من تبحث عنه سيأتيك في الوقت المناسب ليكملك و يبث من حولك كل الطمأنينة التي تحتاجها مثلما تبث الشمس دفئها في هذا الكون…

- الإعلانات -