ماذا لو كان المغرب ولاية عثمانية ؟

217

في جلسة تاریخیة ماتعة حول سقوط الأندلس والظروف الدولية المصاحبة التي كان عليها العالم الإسلامي حينها، قال لي أحد الأصدقاء بفخر إن المغرب كان البلد الوحيد الذي لم یرزخ تحت السيطرة العثمانية في القرن السادس عشر ميلادي. وأنه استطاع الحفاظ على استقلاليته. عجبت لهذا الكلام الذي يتردد كثيرا، وعجبي كان لسببين اثنين: أولهما هل فعلا كان الأمر عائقا للعثمانیین وهم في أوج قوتهم، وثانيهما ماذا لو كان المغرب جزءا من الإمبراطورية الإسلامية الكبرى حينها؟

هل فعلا كان المغرب یشكل عائقا للعثمانیین؟ الجواب طبعا لا، لم یكن یشكل المغرب مشكلة، وهو البلد الذي كان یعاني ضعفا وتناحرا شدیدين حول السلطة بدءا من الصراع بین الوطاسیین والسعدیین الذین بدأ ظهورهم في جنوب المغرب، هذا الصراع الذي كان دامیا وأضعف الطرفین، وجعل البلد عرضة للغزوین الإسباني والبرتغالي، ثم كذلك بین أفراد الأسرة السعدیة نفسها. وفي المقابل كان العثمانیون في أوج قوتهم، خاصة في عهد السلطان سلیمان القانوني الذي كان مجرد اسمه يبعث الرعب في صفوف أعدائه، وكانت دولته شاملة لأطراف كثیرة من العراق إلى مصر إلى البلقان، وكان أسطوله یصول ویجول في البحر المتوسط ویحاول مساعدة الأندلسیین بعد سقوط الأندلس سنة 1492، في حملات محدودة منطلقين في ذلك من الجزائر التي استطاعوا ضمها مع تونس بطلب من أهلهما. وفي المغرب ذاته، كان أطراف الصراع یلجؤون بدورهم لكسب ود العثمانیین، ويذكر الناصري في كتابه “الاستقصا” كيف أن أبا حسون الوطاسي استعاد فاس من السعدیین بمساعدة طلبها من السلطان سلیمان، ومكثت فرقة من الانكشارية ستة أشهر في المدينة، حتى طلب منهم أبو حسون العودة إلى الجزائر، فعادوا وحملوا معهم اسم “فاس” كنایة عن المغرب إلى حد الآن، لیستغل بعدها محمد الشیخ السعدي الفرصة ویكر على فاس وینهي الوجود الوطاسي. حاول السلطان سلیمان بناء علاقة مع القائد الجدید للمغرب، لكن هذا الأخیر رد ردا غیر لائق في أعراف الدبلوماسية، فأمر السلطان العثماني باغتیاله وهو الذي كان قادرا على اجتیاح المغرب إلا أنه كان یفضل ضم المغرب دون إراقة دماء المسلمين، ثم لأن جهده كان منصبا على قلب أوربا وتأمين الحدود الشرقية مع الدولة الصفوية. أعوام بعد ذلك، سيطلب عبد الملك السعدي وأخوه أحمد العون من السلطان سليم ضد ابن أخيهم المتوكل. وبفضل الدعم العثماني، سيستعيد عبد الملك المبادرة والحكم في المغرب، لكن أهم حدث كان بالتأكيد نصر معركة واد المخازن سنة 1578، وهو النصر الذي كان للعثمانيين نصيب كبير منه، حيث أمر السلطان مراد بن سليم بتقديم الدعم العثماني العسكري من حيث الخبراء والجيش والعتاد والمتطوعين من الجزائر وتونس، ولذلك كان النصر نصرا إسلاميا ولم يكن فقط مغربيا، وواد المخازن كانت فعلا معركة فاصلة في إطار الحرب الصليبية على المغرب، ما حدا بإسبانيا والبرتغال التي ضُمت إليها لإعادة ترتيب الأوراق. ما حصل بعد ذلك كان كارثة في المغرب، فقد تنكر السلطان أحمد بعد وفاة أخيه (…) للدولة العثمانية وعاداها، وارتمى في أحضان الدولة الإسبانية، واعترف باحتلال سبتة (والتي كان يمكن البدء في تحريرها فورا حيث كانت بيد البرتغال قبل ضمها بسنتين من طرف الإسبان سنة 1580)، ثم احتوى الأندلسيين المطرودين وخذلهم، وقضى على كل محاولة تفكير في استرجاع الأندلس، ما شجع فيلبي الثالث وهيأ له الظروف الدولية المواتية لطرد ما تبقى من المسلمين، وذلك باستصدار مرسوم الطرد المشؤوم في 4 أبريل 1609. هذه حقائق تاريخية تُخفى ويُنثر عليها الغبار لمعرفة ما جرى فعلا في ذلك القرن الذي كان يعتبر مفصليا في تغير موازين القوى في الغرب الإسلامي بصفة عامة، وتعطينا أيضا إسقاطات مماثلة لعصرنا الحالي…

إن هذا التوصيف لتلك المرحلة التاريخية يجعلنا نتساءل عن أسئلة الربح والخسارة حول ما إن كان المغرب في ذلك القرن جزءا من الإمبراطورية العثمانية المسلمة…وأنا أقدر أن ما كانت تخشاه إسبانيا بعد انهيار الدولة المرينية وسقوط الأندلس سنة 1492، هو تواجد الدولة العثمانية الفتية على حدودها الجنوبية، ولذلك حين كان المغرب يتخبط في صراعاته الداخلية كانت إسبانيا في سباق مع الزمن للتنافس حول غرب المتوسط مع الأسطول العثماني، وفعلا استطاعوا الوصول إلى الجزائر وتونس قبل طردهم من الأولى بفضل الأخوين عروج وخير الدين بربروس سنة 1515، ثم من الثانية سنة 1560. لذلك كان للمغرب موقعه الاستراتيجي للدولة العثمانية لأنها من جهة كانت تحارب أوربا مجتمعة بقيادة شارلكان الخامس وفيلبي الثاني بعده في البلقان وأوربا الشرقية، ومن جهة أخرى كانت تتلقى نداءات الاستصراخ المتكرر لمسلمي الأندلس الذين خضعوا لإبادة ممنهجة من طرف محاكم التفتيش، والذي لم تستطع الدولة العثمانية الاستجابة له بعمل عسكري منظم لبعد أقرب مسافة وهي الجزائر عن السواحل الأندلسية. ومن ثم كان انضمام المغرب للسلطة العثمانية حينها من شأنه أن يقوي الجبهة الغربية للعالم الإسلامي، ويحمي الثغور التي نطالب بها منذ ذلك الحين (سبتة ومليلية)، بل كان بإمكان تغيير موازين القوى والحد من الأطماع الأوروبية التي انتقلت إلى مرحلة الهجوم منذ ذلك الوقت، خصوصا أنها تكبدت في الجبهة الشرقية والبحر المتوسط هزائم متتالية، بل أكاد أجزم أن استرجاع الأندلس كان إلى حد كبير، ممكن إعداده وتنفيذه إلى أواخر القرن السادس عشر انطلاقا من السواحل المغربية، خصوصا مع بقاء عدد كبير من المسلمين في الأندلس رغم جرائم محاكم التفتيش…فهل أخلف المغرب الموعد مع التاريخ وكان سببا إضافيا في إضعاف الأمة الإسلامية في القرن السادس عشر…ربما !!

صحيح، ككل الملوك والحكام والدول، لم يكن كل السلاطين العثمانيين ملائكة، ولم يكن كل ولاتهم أتقياء، ولكن بصفة عامة كانت لدى العالم الإسلامي فرصة لاستعادة زمام المبادرة بعد فقدها لقرنين من الزمن، بعد ظهور الدولة العثمانية في أوج قوتها منذ فتح إسطنبول العظيم على يد محمد الفاتح سنة 1453…

إن أهم شيء من ذكر ما سبق، أن ننهي في عقولنا أسطورة البلد الوحيد الذي لم يجتحه العثمانيون، وكأننا حققنا نصرا عالميا سيذكره كل العالمين فيما سبق وفيما يلي من التاريخ، وفي نظري المتواضع، ربما أجدادنا أخلفوا الموعد لتأسيس كيان إسلامي كبير يواجه التغول الأوروبي الصليبي حينها، الذي كانت تبعاته في القرون الموالية كارثية على كل الدول الإسلامية…أيضا ربما يجب أن يكون تفكيرنا عالميا وكونيا، وليس قُطريا مبنيا على حدود حُددت من قِبل في فترات الضعف والهوان !!!