المظاهر خداعة

285

غالبا ما تصيبنا لحظات إحباط ونحن نتابع أشخاصا “ناجحين” في هذا العالم الافتراضي، فتلك تزوجت بعرسين، وذاك سافر في الشهر مرتين، بينما جاوزت أنتِ الثلاثين ولم يدق بابك أحد، وأنفقت أنت كل دخلك والشهر لم يكمل نصفه بعد… نمضي ساعات ونحن نتصفح أخبارهم، تعجبنا حياتهم، نغبطهم، نحسدهم، ثم نغلق جهازنا، نتخيل أنفسنا مكانهم، نعود لواقعنا “البئيس” ثم نكمل اليوم حزينين، ثائرين وللحياة لاعنين.

تتحول متابعتنا لهم لهوس، نستيقظ لنتصفح جديدهم، ولنتأمل آخر مقتنياتهم وأهم إنجازاتهم، قد نهمل مواعيدنا فقط لكي لا نفوت مشاهدة عرض مباشر لهم على الفايسبوك، قد نقتدي بهم ونتبنى مواقفهم، ندافع عنهم، نكرس وقتنا لنكون أول المعلقين على مواقفهم، وقد نرسل عشرات الرسائل طمعا في الانضمام إلى لائحة أصدقائهم.

عزيزي، لا بأس في أن تكون لك قدوة في الحياة، – بالعكس هذا جيد – فما أكثر اللحظات التي أوشكنا فيها على السقوط لولا أن كانت لنا قدوة حاربت الفشل مراراً، فلم نرض لأنفسنا السقوط اقتداءا بها وحاربنا الحياة وانتصرنا.
البأس كل البأس، أن ننسى وجودنا كأشخاص عاقلين وأن نذيب حياتنا في متابعة أشخاص آخرين، أن تفقد حياتنا المعنى ليصبح أعظم أحلامنا طلب صداقة على الفايسبوك!

عزيزي، تعلم أن تستعمل عقلك حتى في أكثر المواقف وضوحاً، فالمظاهر خداعة، وليس كل ماينشر حقيقة. فمشاركة فلان لصوره في أرقى أماكن العالم لاتعني بأنه سعيد، لا أحد يدري ما في القلوب إلا الله، ولا أحد يعيش مع الإنسان لحظات ضعفه، وحقيقة مشاعره، فأنت لا تدري لعل وراء ابتسامته حزن عميق، أو وضع عائلي هش، أو إحساس بالوحدة ونقصان حنان…

عزيزي، إن لكل منا مشاكله، لكن الفرق يكمن في كيفية تعاملنا معها، فأنا اخترت أن أجعل منها شيئا خاصاً لا أناقشه إلا مع المقربين، وتلك قررت نشرها هنا وهناك، والآخر هرب منها وصنع لنفسه شخصية وهمية تعيش في أبهى أوجه الكمال.
تذكر أن الله قد يحرمك الثراء المادي ليعوضك بأخر معنوي كأسرة متحابة أو صديق وفي، وقد يحرمك الله منهما معا ليعافيك في بدنك، أو قد تحرم من الثلاثة معا لكنه سيعوضك عنده يوم اللقاء، فلا تبحث عن أوجه العدل في الأرض لكن آمن بأن الله عادل، وتعلم أن تتوقف عن التذمر وتركز على حياتك، أن تتصالح مع ذاتك وتكون أكثر واقعية وأن لا تهرب، فلم يكن الهروب يوما هو الحل.