من نحن لنحكم؟

116

أن تحكم على شخص من خلال مظهره الخارجي فهذا يعني أنك إنسان فارغ من الداخل. أن تصدر أحكامك فقط من هندامه، من نوع سيارته، أو من ماركة حذائه فعذرا، هذا لا يعبر سوى عن تفاهتك وتفكيرك المحدود. جمال المظهر قد يبهرك للحظة، قد يجذبك لفترة، لكن جمال الروح وطهر ونقاء القلوب لن نلمسه إلا اذا تعمقنا في حقيقة الأشخاص.

للأسف، في مجتمعاتنا العربية أصبحت المادة هي العملة الأساسية في التعامل مع بني البشر، مجتمع مادي لا مكان للقيمة فيه، لا مكان للمشاعر والمبادئ، ولا القيم الروحية، حتى لو كنت ذو ثقافة، ذو مبدأ أو يقظة فكرية، تتمتع بأخلاق نبيلة، فكل هذا لن يعوض نقصك المادي أمام مجتمع تافه فقير معنويا. في مجتمعنا العربي، إن كنت ذا سلطة فغرضك مقضي دون تعب، فأنت تستطيع شراء مبادئ ذوي العقول الصغيرة الفارغة.

في مجتمعنا العربي، المادي يسود، والمتواضع المثقف لا قيمة له. في مجتمعنا العربي أيضا يمكنك الزواج من فتاة أحلامك، فقط لأنك غني، لا لشيء آخر! بل وهناك مثل شعبي معناه أن الرجل لا يعيبه سوى جيبه! لا يا عزيزي، الرجل تعيبه أخلاقه، تفكيره، ثقافته.. في مجتمعنا العربي قد يسلب حقك، قد تضيع أحلامك لأن صوتك غير مسموع، أو بالأحرى مظهرك غير مرئي.

نتعايش مع هذه المظاهر، نعلمها جميعًا ونعيش أحداثها، وبالطبع لا نعممها وليست هي أصلنا، ولا هي منهاج أجدادنا، ولكن نسبة انتشارها أصبحت تتزايد مع مرور الأيام، وفي جميع القطاعات، وباختلاف كل الفئات. لقد أصبحت نظرتنا للأمور نظرة مادية متجردة من القيم والأخلاق وتعاليم الدين.

لم نفكر أن هذه المادية إن وهبتنا المأكل والمسكن والجنس، وكل تلك الأمور التي يشترك فيها الإنسان والحيوان؛ فهي غير قادرة على أن توفر لنا المميزات التي خص الله تعالى بها بني البشر دونا عن باقي مخلوقاته. مثلما قال الشيخ الرئيس “علي عزت بيجوفيتش” في كتابه الإسلام بين الشرق والغرب: المادية تؤكد دائمًا ما هو مشترك بين الحيوان والإنسان بينما يؤكد الدين على ما يفرق بينهما.

فهذه المادية لن توفر لنا الأمن والأمان وراحة البال وغذاء الروح والصحبة الطيبة التي يوفرها ديننا. كل ما وصلنا إليه هو نتيجة لابتعادنا عن تعاليم ديننا ومنهاج الإسلام الذي يوازن ما بين الروحي والمادي، مجتمع يقوم على التآخي والمساواة بدل العنصرية والتمييز بين الطبقات، مجتمع لا فقير يموت فيه جوعًا، ولا غني يفسد روحه الغنى. عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ “إِنَّ اللَّهَ لا يَنْظُرُ إِلَى صُوَرِكُمْ وَأَمْوَالِكُمْ وَلَكِنْ يَنْظُرُ إِلَىلَى قُلُوبِكُمْ وَأَعْمَالِكُمْ”، فمن نحن لنحكم على المظهر ونترك الجوهر؟

Comments are closed.

%d مدونون معجبون بهذه: