قصتي مع كلية كامبريدج قصة طويلة وممتعة.

221

قصتي مع كلية كامبريدج قصة طويلة و ممتعة. لطالما راودني حلم الدراسة بها منذ نعومة أظافري، منذ أول مرة سمعت بها من فم باحث من بين الباحثين الذين كانوا يترددون على منزلنا كثيرا لاستجواب أمي حول كتاباتها و توجهاتها السياسية والدينية لتطعيم أطروحاتهم التي يكتبونها تحت إشراف أرقى الأساتذة في أرقى كليات العالم.

لا أذكر أن انتباهي جذب لأي من الزوار من الجامعات الأخرى، لا هرفرد ولا برينستون ولا ييل ولا حتى أكسفورد، كمبريدج فقط.. كأن إسمها يوم سمعته رن بموسيقى تنبعث من عمق تاريخ سحيق يسكنني أو سكنته دون علمي . زرع في ذهني شعارها الفريد أول ما وقع نظري عليه، أربعة أسود ذهبية هي أسد واحد انقسم ليحمي بشراسة من كل ركن كتابا عرفت بعدها أنه يمثل كتاب المسيحيين المقدس. عرفت أيضا متأخرة أن شعارها كان في الأصل امرأة على رأسها تاج و يدر الحليب من صدرها العاري و تحمل في يديها اليسرى كوبا تتلقى به قطرات المطر وفي يمناها الشمس وعن يمينها وشمالها شجرتي زيتون، يسمونها ‘ألما ماتر’ و هي تمثل الآلهة الأم في دين الإغريق و بعد اكتساح المسيحية لأوروبا أصبحت تشير إلى مريم العذراء وإلى الأرض الأم، بعد تبني كمبريدج لهذا الشعار تواتر استعمال مفرد alma mater للإشارة الى أي جامعة أكمل فيها الشخص دراسته العالية. الرمزية في مدينة كامبردج تأخذ اللب وترمي به في عالم سحري لا يعترف بالأزمنة ولا الأمكنة. أذكر أول مرة ركبت سيارة أجرة بها كيف حكى لي السائق عن اليوم الذي أقل فيه تلميذا جديدا من محطة الحافلات وكيف أن التلميذ بكل سذاجة طلب منه أن يأخذه الى “جامعة كامبردج”، و كيف التفت إليه ليقذفه بنظرة استهزاء ملؤها التعالي: “عماذا تتحدث يا هذا … كل بلاطة في أرض هذه المدينة هي جامعة لوحدها … لا يوجد مبنى للجامعة هنا ..الأرض كلها جامعة !” أذكر أيضا كيف كنت أمشي يوميا فوق ذلك البلاط بخطوات تملؤها رهبة لم أستطع التخلص منها طول مدة إقامتي، كأن رجلي استكثرتا أن تطأ مكان الوطء من أناس قرروا بعبقريتهم مصير بني البشر اليوم وقربوهم بعقولهم من فهم المغزى الالهي من الخلق، أشهرهم نيوتن وآخرهم هوكنز.

كنت أهرب إلى المطالعة داخل مبنى المكتبة الهائل محاولة جمع شتات عقلي البسيط الذي لم يتأقلم مع نوعية العلوم التي توفرها مدرجاتهم. أقوى العقول النادرة والمبهرة من كل الجنسيات الغربية والشرقية والعبرية كانت تجلس جنبا الى جنب لتناقش الكون وتسبر خباياه. لم تؤهلني دراستي المتواضعة في كلياتنا المغربية على نجابتي من مجارات نقاشاتهم، أحسست أن سر السلاسة في تعاطيهم مع العلم الذي يدرسونه لم يكن الحفظ ولا الفهم و لا غزارة المصادر، السر كان تركيبهم العقلي. نعم، أحسست ان من حولي له دماغ ركبت أجزاؤه من نفس القطع التي تركب دماغي تماما ولكنها ومنذ صغرهم ركبت بالشكل الصحيح فجرى فيها العلم يوم جرى دون عوائق ودون مطبات، رباهم ذووهم ومدارسهم على التحرر من القوالب الجامدة وعلى التساؤل البناء وعلى الشجاعة في طلب الحقيقة فأبدعوا لما كبرت العقول منهم على هذا الغذاء وخلقوا وتميزوا. أما عقلي المسكين فكان يكابد للمسايرة حتى أني أذكر أنني كنت أستهلك كميات هائلة من تمر العجوة الذي اشتريه من متجر سوري في آخر الزقاق الذي أقطن به، لعل وعسى أن يحدث ربك شيئا بسكرياته المباركة فيتحول حجم عقلي كما تحولت أليس في بلاد العجائب لتدخل هذا الباب أو ذاك.

ولكن هيهات! سافرت إلى كمبردج في إطار تبادل دراسي فريد أنا أولى مستفيدة منه والأخيرة أيضا، إذ بلغني أنه أغلق من بعدي (الله يجعل قدامنا قدام الخير!!!!) يخولني المكوث هناك لمدة ثلاثة أشهر في إطار بحث الدكتوراه الذي كنت بدأته منذ ثلاث سنين في جامعتي الأم بفاس. كان موضوعه سايكوسوسيولوجي يدرس تأثير الدعوة الاسلامية الرقمية للشباب الجدد على الهوية الشخصية والدينية وحتى التاريخية للشباب العربي الذي يتابعهم. كنت أنوي السفر إلى بلاد الشرق لاستجواب بعضهم أمثال مصطفى حسني ومعز مسعود. لكن ومن غرائب الصدف أن يتزامن سفري إلى هناك مع حضور هذا الأخير الذي اتضح أنه كان يحضر دكتوراه أيضا حينها في كلية الالهيات تحت إشراف واحد من جهابذة المفكرين المسلمين في عصرنا، Timothy Winter أو كما نعرفه نحن الشباب المسلم بكل فخر عبد الحكيم مراد. كان هذا الأستاذ ثاني سبب كنت أتحرق لزيارة كمبريدج من أجله، كنت أستمع لمحاضراته عبر النت قبل لقائه كما يستمع مخمور لصوت كوكب الشرق في ليلة قمراء، جمع علم الكلام والفلسفة بتصوف رقيق سماوي غض تتفتح لهما العقول والقلوب معا ..ونادرا ما يفتح حديث ما هاذين الأخوين العدوين في آن واحد. شاءت الأقدار أن أحدث معز مسعود داخل حرم الجامعة، و شاءت أن أصلي وراء عبد الحكيم بالجاكيت البني الذي لم يلبس غيره حتى ليصلي الجمعة وجواربه المهترأة التي كنت ارى أخمص قدمه من خلال ثقب فيها حين يسجد. أكلت الطعام في بيت مراد وقابلت زوجه الباكستانية وأبناءه وقطتيه وذكرت الله مع نساء من حول العالم في غرفة ضيوفه المتواضعة التي تزين جدرانها أذكار وأشعار صوفية وكتب نوتات موسيقية كالتي قرأ منها موزار و شوبان وفاكنر وليتز وهم يعزفون مقاطعهم التاريخية. قال لنا يوما الأستاذ عبد الحكيم، “لا تهتم بما يظن بك الناس ولكن احذر أن يكون عدم اهتمامك هذا أصله اهتمام خفي بما يظنون بك”.

Comments are closed.

%d مدونون معجبون بهذه: