انظر بقلبك فليست كل عين ترى

1٬705

يزف قلمي حروفا وددت لو أحاكيك عن معناها … شيء ما راودني مند الأبد تجاهه …. الموضوع متشعب الأصول حول تساؤلي الساذج ذاك … عن حب الله. هل هو حب عميق من بواطن القلب أم هي مسألة عقلية تحكمها قوانين الربح والخسارة ؟ الجنة والنار ؟ هل القناعة تكفي لكي نحب أم أن الحب كافي لكي نقتنع ؟ أوليس الوقوع في الحب ما هو في نهاية الأمر إلا العثور على من يلبي حاجياتنا العاطفية العميقة التي نخجل أن نبوح بها ؟ أوليس الحب ما هُو إلا أجمل تجلي لذلك الخوف اللاواع؟؛ الخوف من عدم المقدرة على العيش بدون الذي إستطاع أن يملأ كل خرق في كياننا ويحمل بين طياته ما يسكن الروح و يهدئ من روع تهورها ؟

كيف يمكننا أن نحب من لم نره ؟ كيف يمكن للحب تجاهه أن يكون ؟ و ما هي دوافع حبنا له ؟ أهو فريضة واجبة ؟ خوفا من لعنة سخط أو كفر ؟ أم هي تعويذة كي تصرح للضمير أن ينام بسلام و كفى؟ أو هو معنى نعطيه لحياتنا لأن الحياة المادية مملة بدون إيمان، بل تصبح مستحيلة إن لم يكن لها معنى ومخرج نفسر به كثير مما يقع. ألا نحبه بدافع الأنانية ؟ و إلا فما حاجة خيال الجنة في أروقة احلامنا، و رعب جهنهم في أحلك كوابيسنا ؟ أوليس دافع الحب خوفا ؟ هيبة ربانية نطمع في كسبها حتى ننجو من سفينة النار و لعنة السخط من الحكم الأخير ؟

ما هو حب الله الخالص ؟ حب الخاصة التي يتوق إليه العامة …. حب المريدين والعاشقين … الحب الذي نقسم به عندما نحلف والذي نحس به اتجاه أبنائنا وآبائنا، والذي نحس به عندما يغيب عنا من نحب. أليس هو ذلك الإرتباط القوي واللامحدود بحضور نشعر به منذ الطفولة الأولى ؟ يرافقنا في كل فعل، في كل وقت، في كل مكان. حضور أستطيع أن أكلمه في الصلاة فيجيبني في الحياة.

يمكن لمن كان له قلب حاضر أن يستشعر الفرق بين هذا الحضور وبين حضور الأفكار عندما تتصارع في العقل وحضور الضمير عندما يؤنبك في مواطن الزلل .

حضور خفي لايدرك بالحواس، ولا يقاس بالناس. حضور جلي في النفوس، فوق كل شيء، و ليس فوقه شيء، ليس كمثله شي، و هو السميع البصير.

علم ما كان، وعلم ما يكون، وعلم ما سيكون، وعلم ما لم يكن لو كان كيف كان يكون، لا يخفى عليه إغماض الجفون، ولا لحظ العيون، و لا ما استقر في المكنون، يحتاجه كل شيء، في كل شيء، و هو غني عن كل شيء.

يمكن لمن كان له قلب حي أن يعرف الفرق بين بنات أفكاره التي تجري في مخيلته طوال اليوم، وبين همسات الضمير الذي يستيقظ في اليوم مرة أو مرتين.

الضمير هو صوت الإنسان الذي أعيش فيه؛ يحدثني من الداخل، ويتطور بالتأمل والتفكر والعزلة.

أما الأفكار فهي صوت الماضي بعين الحاضر وترقبات المستقبل؛ الأفكار هي الأوبريت الغنائي الذي يعزف كل التجارب التي عشتها بألحان التجارب التي لم أعش بعد بالآلات التي أتوفر عليها اليوم.

الأفكار تأتي بعد جهد ذهني مضني وهي تتناسب طرديا في الوفرة والجودة مع كم وجودة الكتب المقروءة وقوة الملاحظة عند زيارة الأماكن المتفقدة ودرجة التركيز التي تكون عليها عندما تتحدث مع الأشخاص الملهمة. الأفكار هي صوت العقل الذي أعيش وفقا لمنطقه المتعب.

الحضور الذي أتحدث عنه من طبيعة أخرى؛ لا يأتي من داخلي ولا من مخيلتي بل من العدم. يحيط بي، يغطيني، يحرسني ويعلمني. يحدثني بأحداث معاشة. أعرف ذلك عندما يمنحني أشياء بغض النظر عن إرادتي. أشياء لم أكن أحلم يوما بأن صل إليها؛ أستشعر التوفيق والتيسير والبركة عندما يريد أن أحقق غايتي ومبتغاي، وأشعر به حينما يعارض ما أريده بشكل قاطع.

يحدث أن أسأله لم يسمح بأن تحدث لي بعض الأشياء عكس ما أريد بالرغم من استسلامي لأوامره؟

يحدث أن أسأله لم يعطيني أكثر مما أريد بالرغم من عصياني له؟

يحدث أن أبوح له بحبي كذلك.

أحبه لأنه أرسى فينا هذه القدرة على المحبة ، لأن من خلق الحب لا يمكن إلا أن يحب.

أحببنا كائنات ناقصة، فكيف يمكننا أن لا نحب الكمال … خالق الكمال؟

لم يعجز الانس عن حب الكمال ما إن كان قادرا على حب الناقص و المشوه من المخلوقات ؟ أرى كماله في جزيئات الكائنات الناقصة، في كل جانب من جوانب الطبيعة الرائعة، في كل خلية نفخ فيها من الحياة الكثير. في رقة ورقة تستسلم لتهور الريح الشتوي؛ في يد ترتعش على إيقاع الجسد البالي؛ أما الفلك الذي رسمه بإتقان فلا ترجمان وصفي له، ومنه وإليه …

أحبه كما هو ولكل تلك الأشياء التي باغتت حياتي وتسلسل الأحداث التي جعلت مني ما أنا عليه الآن. أحبه من أجل الجمال المكنون في الحياة و الذي سرعان ما يقحل بفعلنا … أحبه من أجل كل هذه الأشياء الجميلة التي نجعلها قبيحة قبح أنفسنا؛ نفسدها، ندمرها دون توقف لتناسب قبح نوايانا.

احبه من أجل الغيب، جاهلا ما أنا و ما قد أكون …

أحبه وكفى

Comments are closed.

%d مدونون معجبون بهذه: