رسائل بعد منتصف العمر

2٬368

أظن أنه كلما تقدم بِنَا العمر، تغيرت نظرتنا لبعض الأمور التي كنّا نظنها مملة أو بطيئة أو ليست ذات فائدة أو مثيرة للشفقة … كترتيب البيت ليوم كامل دون التفوه بكلمة أو المشي لساعات على الرصيف بدون وجهة محددة أو الركوب في حافلة والجلوس في أحد الكراسي لا لشيء سوى التفرس في وجوه الراكبين، والنظر في أحوالهم، والتأمل في مصيرهم ووجهتهم : منهم من عرف كيف يساير الحياة فهو يبتسم لهذا وذاك، ويتحدث مع هذا وذاك ويدعو لهذا وذاك؛ ومنهم من اختار أن يصارع الحياة، لا يكف عن الشكوى من كل شيء وأي شيء، يستقبل نظرات الناس بوجه عبوس وكلماتهم بسكوت مطبق؛ ومنهم من قدم استقالته من الحياة، معلق بين السماء والأرض، تائه بين الواقع والخيال، تبدو عليه آثار المخدرات والمسكرات وكل أنواع المعوقات والإكراهات النفسية التي تحول بينه وبين الإنخراط في ركب السائرين … في خضم هذا الزخم الكبير من المعلومات والرسائل المتقطعة والاتصالات المتكررة التي نتلقاها كل يوم، وفِي خضم الوتيرة السريعة لهذه الحياة التي لا تبقي لنا سويعات لأنفسنا، لا بد لنا … أظن … بين الفينة والأخرى من هذه الأوقات المملة، البطيئة، غير ذَات فائدة والمثيرة للشفقة …

أظن أنه كلما تقدم بِنَا العمر وكلما كثرت تجاربنا مع مختلف أنواع الأجناس البشرية، ترسخت في أذهاننا خلاصة تدندن حولها أقوال العارفين والفلاسفة : أن لا شيء يبقى للأبد، وأن هذه اللحظة كيفما كانت مفرحة ومسلية أو بالعكس كيفما كانت مؤلمة ومبكية فإنها زائلة، وأنا ما يهم هو التركيز على ما هو أمامك الآن ومن هم معك في هذه اللحظة وما ستفعله اليوم فقط، لأن لا شيء يبقى للأبد … الحال سيغير لا محالة؛ سيدخل المحال إلى دائرة الاستطاعة بعد حين؛ وستتحول الاستطاعة إلى استحالة وتنقلب القدرة إلى عجز مع الوقت …إذا كانت لديك الصحة والمال فقد ينقصك الوقت … وإذا كان لديك الوقت والصحة فقد ينقصك المال … وإذا كان لديك الوقت والمال فقد تنقصك الصحة … وإذا اجتمعوا لك نقصك الأحباب … فإن اجتمع الأحباب ربما كنت أنت من ينقص، وما اجتمعوا إلا ليدفنوك ويقسموا بينهم مالك الذي أفنيت فيه صحتك ووقتك.

من هذا وذاك … من التجارب المتتالية … من كل الدروس التي تكلفنا الألم الذي نحس به في كل مرة نفهم الأمور كما ينبغي أن تفهم … من كل الحكايات التي عشناها ولم نخرج منها بشيء يذكر … ومن كل تلك الذكريات التي تصاحبها بعض العبر والحكم والمعاني … من هذا كله … وهذا هو الشيء المضحك في هذه الحياة … هو أن الأمور المعقدة والتحليلات الملتوية توصلنا إلى خلاصات بسيطة، قد ترمقها في وجه طفل صغير يضحك عند رؤية الشاطئ أو ينغمس فرحا في لعبة، أو عجوز تضحك عند زيارة ابنتها أو تنغمس في التسبيح والتهليل … البساطة، الاستمتاع بالأمور البسيطة الصغيرة العادية، التفكير في هذه الثانية، الآن، اليوم … الحياة هي مجموع الثواني والدقائق التي نفكر فيها في الغد ونظن بأن الغد سيكون أفضل وأنه لو كان كذا لكنا كذا وكذا … الحياة هي ما تقوم به الآن !

أظن أنه كلما تقدم بِنَا العمر، نتغير بدون أن نحس … نحو الأحسن ! نصل لمرحلة يصبح برنامجنا المفضل خلال نهاية الأسبوع هو البقاء في البيت لقراءة كتاب، نصل لمرحلة لا نتحمل فيها الذهاب لأماكن الهرج والمرج، فإن اتصل بِنَا شخص لكي نرافقه لمثل هذه الأماكن اعتذرنا له بكل أدب …نبدأ بتفادي الدخول في نقاشات طويلة غير مجدية وجدالات ميتافيزقية نحن في غنى عنها مفضلين السكوت – وإن حسبنا الناس سذج بدون رأي – على بدل الجهد في الكلام المصطنع في مسائل سطحية وتافهة أو محاولة إقناع أشخاص غير مستعدين نفسيا لتقبل أي رأي …

مقالات مرتبطة

نصبح متسامحين لدرجة غريبة جدا، لأننا نفهم بأنه من سابع المستحيلات أن نصلح رجلا ترعرع في أسرة أو بيئة غير صحية.

نتقبل الآخر كيفما كان ومهما فعل فنستغني عن اعتذاره ونستغني أيضا عن محاولة فهم أفعاله تجاهنا لأنها أمور مرتبطة بتركيبته النفسية وخاصية دماغه البيوكيميائية، ولا أحد يستطيع أن يصلح ما أفسده الدهر إلا من رحم الله …

نصبح قادرين على تقبل جميع الاختلافات وجميع الآراء وجميع الانتقادات، فنأخذ ما صلح، ونترك ما فسد بدون أن نحرج من هم حولنا …

نتعايش بسلم وسلام مع الألم الذي يسببه لنا البشر وفِي نفس الوقت نعيش الفرح والسرور الذي يأتي منهم كذلك ونحن على وعي تام بأن هذه الأحاسيس زائلة كيف ما نكان نوعها، لأن لاشيء يبقى للأبد !

… والأهم من هذا كله هو أننا نكف أن نربط سعادتنا بمخلوق من المخلوقات … ونبدأ رحلة بعد منتصف العمر لكي نصبح من نحن فعلا، لكي نكتمل !